الكاتب: حسن خضر

إعادة الاعتبار إلى لغة السياسة...!!

نشرت في 30 يونيو 2026 10:35 ص

الكاتب: حسن خضر

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/432038



 

وقع، قبل أيام قليلة، أمران في وقت واحد، تقريباً. تكلّم نتنياهو في اجتماع لحكومته عن ضرورة أخذ «تصريحات أردوغان الداعية إلى تدمير إسرائيل» على محمل الجد. 
وفي السياق نفسه، صادقت الحكومة، بالإجماع، على اقتراح يدعو إلى الاعتراف الرسمي بالإبادة الجماعة للأرمن في أواخر العهد العثماني. 
لا ضرورة للكلام عما في كلام نتنياهو من مبالغة، فلم يسبق لأردوغان أن دعا إلى تدمير إسرائيل. 
ولعل في كلامه عن «لفت انتباه» الأميركيين إلى هذا الأمر ما يعزز دلالة التحريض أيضاً. 
كما فعل، ويفعل في الحالة الإيرانية. وبالنسبة لمسألة الأرمن فالاعتراف بالإبادة يمثل ضربة تحت الحزام للأتراك، الذين أنكروا، دائماً، بقدر واضح من الهستيريا أحياناً، ارتكاب الجريمة.
على أي حال، طمست الأمرين وقائع أكبر وأخطر من عيار تجدد الهجمات الأميركية على إيران، والاتفاق الإسرائيلي ـ اللبناني. 
وبناء عليه، لم يتوقف أحد، تقريباً، عند «رشقات» كلامية في مناوشات صارت مألوفة، ومتبادلة، بين الأتراك والإسرائيليين. 
والأهم أن أحداً لم ينشئ صلة دلالية، وموضوعية، بين «الرشقات» والوقائع الأكبر والأخطر، بوصفها من تجليات الحرب في الشرق الأوسط وعليه.
نتكلّم، هنا، عن حرب في الشرق الأوسط وعليه بين ثلاث قوى هي الإيرانية والتركية وإسرائيل. 
حرب على النفوذ والموارد والمستقبل. وقد نجمت عن فراغ القوّة، بعد الانسحاب الانتحاري للقوة المصرية، وتدمير العراق، وانهيار الحواضر العربية، خاصة بعد نجاح الثورة المضادة في دحر ثورات الربيع العربي. 
ولعل أخطر ما يتصل بالحرب المعنية من تأويلات وأفكار أنها غير معترف بها في العالم العربي على نحو خاص، وغالباً ما يجري تشخيصها في ميادين مختلفة كحرب بين «الاعتدال» و»التطرف». 
ورغم أن الكلام عن مشروع «إسرائيل الكبرى» صار مألوفاً في الآونة الأخيرة، إلا أنه لا يتموضع في الإطار الفعلي لحرب في الشرق الأوسط وعليه.
وفي السياق نفسه، ورغم تكرار الكلام عن «طموحات» و»أطماع» إيرانية وتركية في الإقليم، إلا أن الطموحات، كما الأطماع، لا تُشخّص كمعطيات موضوعية ووثيقة الصلة بفراغ القوة، والصراع على النفوذ والموارد والمستقبل، بل تتعرّض للتشويه كطموحات فارسية وصفوية وسلطانية عثمانية.
بمعنى أكثر وضوحاً: تتعرّض الحرب في الشرق الأوسط وعليه للتشويه مرتين. 
في الأولى مع اختزالها في حروب «الاعتدال» و»التطرف» دون اعتبار للواقع أو احترام للحقيقة، وفي الثانية مع إخضاعها لمفردات الطائفة والعصبيات الدينية والقومية. تشويه مزدوج، وإنكار لا يقل عنه بذاءة وتصميماً.
لا تستهدف هذه المعالجة فضح ما في لغة «الاعتدال» و»التطرف» من خداع وتضليل (انظروا إلى عودة الاستعمار على طريقة القرن السابع عشر، ومجلس السلام، أي شركة الهند الشرقية الجديدة لسرقة غزة) كل ما في الأمر أننا لن نتمكن من القبض على معنى الحرب في الشرق الأوسط وعليه إلا بلغة السياسة. وكل ما في الأمر، أيضاً، أن ثمة إمكانية للعثور على ما يفسر التشويه المزدوج، أيضاً.
تستمد حرب النفوذ والموارد والمستقبل في العالم العربي دلالتها من الجغرافيا السياسية للإقليم، والتعامل مع الدولة كفاعل عاقل، والنظر بالتالي إلى تعريف المصالح القومية كتفاعل بين الكائن العاقل والجغرافيا السياسية والتاريخ. 
ثمة مُحددات وضوابط وروافع اجتماعية واقتصادية وطبقية وأيديولوجية للكائن العاقل، بعضها يتسم بالثبات، والبعض الآخر متغيّر. 
ومع هذا في البال، لا مجازفة في القول إن الانكفاء التركي، بعيداً عن الحواضر العربية، بعد الحرب العالمية الأولى، وانهيار الإمبراطورية، هو الاستثناء لا القاعدة. وبالمنطق نفسه، لم تكن طموحات الصعود الإقليمي للقوّة الإيرانية أقل ضراوة في زمن الشاه منها في زمن آيات الله، كل ما في الأمر أن ثمة لغة مختلفة.
ستجد من يكلّمك الآن عن «نحن العرب»، ولا بأس من توابل مألوفة عن تجارة الصفويين والعثمانيين بقميص عثمان الفلسطيني. 
وهذه مرافعات غير سياسية في أفضل الأحوال، والأهم من هذا كله أن أشد الكارهين للعثمانيين والصفويين ضراوة ينامون الآن في معسكر «الاعتدال» الإسرائيلي.
الفكرة هي إعادة الاعتبار إلى لغة السياسة، بدلاً من لغة الطوائف والعصبيات الدينية والقومية. 
تكلمنا في معالجة سبقت عن إصرار الإيرانيين على ضم لبنان إلى مذكرة التفاهم مع الأميركيين. 
وقد تسيّدت التحليلات منذ توقيع المذكرة فكرة صحيحة مفادها ما يبذل الإسرائيليون من جهود خارقة لتعطيلها، وإخراج لبنان من المعادلة الإيرانية. 
ولعل من المفيد، أيضاً، التفكير في الجهود التي بذلها «العرب» معطوفة على مغريات مالية، لإقناع الحكومة اللبنانية بالاتفاق مع الإسرائيليين، وقطع الطريق على الإيرانيين.
تبقى فكرة أخيرة مفادها أن حق الدولة، مطلق دولة، في تعريف المصلحة القومية وأولوياتها في واقع متغيّر لا يعتبر نهائياً ولا يُعامل كمقدّس. 
وهذا أمر وثيق الصلة بالدساتير، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، واستقلالية الحقل السياسي. 
ومع عدم وجود الدساتير، أو عدم احترامها، وعدم وجود صناديق الاقتراع، أو عدم احترامها، ومع عدم استقلالية الحقل السياسي، أو حتى الاعتراف بوجوده، تنتفي الحاجة إلى تعريفات مختلفة للمصلحة القومية، وتنتفي معها فكرة السياسة نفسها، إلا بوصفها مديحاً لعبقرية الحاكم، وتشهيراً بأعدائه. 
وهذا ما هو كائن، وما كان. فاصل ونواصل.