الكاتب: حسن خضر

البيان والتبيين في فضيحة إبستين..!!

نشرت في 10 فبراير 2026 12:00 ص

الكاتب: حسن خضر

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/426484



 

تفرض فضيحة إبستين نفسها، وتستدعي أكثر من معالجة. لذا، نتوقّف، مؤقتاً، عن استكشاف المزيد من أبعاد «الحرب التي غيّرت العالم»، ونسعى إلى قراءة ما تيسّر من أبعاد الفضيحة، ودلالاتها، وتداعياتها. وهي بعيدة المدى، بكل المقاييس، وقد تكون فضيحة القرن، وعلامته الفارقة. 
وكما جرت العادة، نحتاج إلى تعريف، والتعرّف على، مداخل محتملة لمقاربة الموضوع. وبما أن الفضيحة تحظى بتغطية واسعة في مختلف وسائل الإعلام، وتتعدد بشأنها التأويلات، والرهانات، وتتكاثر في صلبها، وعلى حوافها، نظريات المؤامرة، ينبغي للمداخل أن تكون تمثيلية، وقادرة على اختزال عناوين فرعية كثيرة تحت عنوان واحد عريض.
أوّل المداخل، التي لا غنى عنها، أن رئاسة تاجر عقارات غير مؤهل، بالمعنى السياسي، والإنساني، والثقافي، والمهني، والعقلي، والأخلاقي، ليكون رئيساً للولايات المتحدة، لن تكون مفهومة، بعد الآن، في معزل عن فضيحة إبستين، وما لها من دلالات وثيقة الصلة بما آلت إليه أحوال النخبة الأميركية في العقود القليلة الماضية، وما يتصل بها من علامات استفهام كثيرة، بما فيها مدى ما للنخبة المعنية من صلات بقوى خارجية، ومدى تمثيلها للمصلحة القومية الأميركية.
أما المدخل الثاني، فيستند إلى فرضية أن فضيحة إبستين متعددة الأبعاد والطبقات، ومعولمة، أيضاً، بمعنى أنها لا تقتصر على بلد دون آخر، ولا تنحصر في فئة من الناس دون غيرها، وتضم شخصيات سياسية واقتصادية وثقافية نشأت في بيئات ومناطق مختلفة من العالم، وصارت مع سياسات العولمة، في عالم ما بعد الحرب الباردة، جزءاً مما يصح وصفه بنخبة عالمية. ومع هذا في البال، واستناداً إلى علاقات شخصية ومهنية وثيقة لإبستين بالشرق الأوسط، مع الإبراهيميين على نحو خاص، واحتمال عمله لمصلحة الإسرائيليين، فمن المنطقي أن يكون كل ما يتصل به مدخلاً محتملاً لتفسير تحوّلات مختلفة منها اتفاقات إبراهيم. وهذا، بدوره، قد يلقي بعض الضوء على ما ينتظر غزة، ويُراد لها.
وبالعودة إلى المدخل الأوّل، فلنقل: إن علامات استفهام كثيرة رافقت صعود ترامب في حقل السياسة الأميركية، منذ اللحظة الأولى قبل عقد من الزمان: منها ما يتعلّق بمؤهلاته العقلية والسياسية، ومنها ما يتعلّق بعمله لمصلحة قوّة أجنبية. افتتحت ماندي لي، أخصائية الطب النفسي الشرعي، والأستاذة في جامعة ييل، الكلام عن صحة ترامب العقلية بكتاب نشرته في 2017 بعنوان «حالة دونالد ترامب الخطيرة»، وضمّنته شهادات لسبعة وعشرين أخصائياً في علوم النفس. 
يستمد كتاب لي أهميته من مؤهلاتها، وعملها في جامعة ييل، وهي من جامعات النخبة، وكذلك من إسهامات بعض كبار أصحاب الاختصاص في الولايات المتحدة. وفي وسعنا إضافة عشرات العناوين، التي عالجت الموضوع نفسه، وتوصّلت إلى الخلاصة نفسها. وما يعنينا من هذا كله، الآن، أن موضوع اللياقة العقلية كان دائماً على الطاولة.
وبالقدر نفسه، كان موضوع اللياقة السياسية على الطاولة، أيضاً. لم يتوقع أحد فوز ترامب. لذا، لم يكن فوزه بالرئاسة مفاجأة غير متوقعة وحسب، بل وحرّض على رسم علامات استفهام كثيرة، أيضاً، ومنها احتمال تدخّل الروس في الانتخابات. وقد تشكّلت لهذه الغاية لجنة تحقيق رسمية، عُرفت بلجنة مولر، أنفقت 32 مليون دولار، على مدار عامين من أيار 2017 حتى آذار 2019 ولم تتوصل إلى نتيجة حاسمة، رغم نجاحها في تجريم بعض مساعدي ترامب.
صدرت منذ ذلك الوقت عشرات العناوين، التي عالج أصحابها علاقات محتملة بين ترامب وروسيا بوتين. ولم يقتصر الأمر على العلاقة بالروس، بل سعى البعض إلى إيجاد صلة من نوع ما مع أنظمة وحكّام في الشرق الأوسط. ونذكر منها، في هذا الصدد، كتاب سيث أبرامسون المعنون «دليل المؤامرة: كيف يهدّد تواطؤ ترامب على المستوى الدولي الديمقراطية الأميركية». هذا الكتاب هو الجزء الثاني في ثلاثية تسعى لتسليط الضوء على علاقات ترامب المشبوهة. وما يعنينا منه محاولة تفسير «مؤامرة» سبق لديفيد هيرست، محرر وصاحب موقع عين الشرق الأوسط الإلكتروني أن «كشف» بعض جوانبها، وما يتصل منها باجتماع سري نظّمه اللبناني جورج نادر (مجرم مُدان في جرائم جنسية تتعلّق باغتصاب الأطفال) على ظهر يخت في البحر الأحمر. ويمكن، في السياق نفسه، الكلام عن عشرات العناوين ذات الصلة.
يصعب التحقق من أمور كهذه بطبيعة الحال. ولكنها تكفي للتدليل على وجود أسئلة وعلامات استفهام. وإذا سلّمنا، جدلاً، بأنه لا وجود لدخان بلا نار. فلنقل: إن ثمة الكثير من الدخان في المشهد الترامبي. وفي سياق كهذا، فإن فضيحة إبستين هي التي تفسّر الظاهرة الترامبية، بينما لا تكفي الظاهرة الترامبية لتفسير الفضيحة. ولنحتفظ في الذهن، هنا، بحقيقة أننا نمشي على خيط رفيع، حيث تنطوي كل خطوة غير محسوبة على احتمال السقوط في التأويلات المريحة لنظرية المؤامرة. 
ويبدو، مع هذه التحفظات في الذهن، أن عدم السقوط في نظرية المؤامرة مشروط بالتعامل مع فضيحة إبستين، والظاهرة الترامبية، بوصفهما من أعراض المرض لا المرض نفسه. فكلتاهما حالة أميركية بامتياز، وكلتاهما من المُخرجات الطبيعية للعولمة من ناحية، وآخر أطوار المركز الرأسمالي العالمي من ناحية ثانية. الحالة الأميركية: مجتمع الفرجة. مخرجات العولمة: النخبة العابرة للحدود والقوميات والقضايا. وآخر أطوار المركز الرأسمالي: أفول الإمبراطورية.
لكل ما ذكرنا تمثيلات ودلالات هي من شروط البيان والتبيين في فضيحة إبستين. فاصل ونواصل.