نشرت في 15 يناير 2026 10:35 ص
قبل الدخول في صُلب هذا العنوان، دعونا نلفت الانتباه إلى ظاهرة تدعو إلى الحيرة، وإلى الاستهجان، وإلى الشفقة، أيضاً.
هذه الظاهرة اللافتة هي ما نشهده ونشاهده، ونسمع به وعنه عن هذه الدرجة من الشعور بالفرح والنشوة، والاصطهاج التي تعبّر عنها بعض القطاعات، بما فيها «الفلسطينية» أملاً ورجاءً وتوسّماً بأن تكون «الضربة» الأميركية التي يرونها مرتقبة، ولا ريب فيها لإيران، على يد ترامب، وعلى يد نتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية» ضربةً قاتلة، ساحقة وماحقة.
المحيّر في الأمر أنّ هؤلاء ــ يُستدلّ ذلك من «عُمق» أطروحاتهم حول هذه المسألة بالذات ــ ليس لديهم أية أسباب يمكن اعتبارها وطنية أو قومية أو حتى «دينية»، ناهيكم عن الأسباب التي تتعلّق بالمسائل الأخرى، سواءً كانت «ديمقراطية» أو حتى إنسانية.
طبعاً نعرف أن جزءاً لا بأس به من هؤلاء لديهم مشاعرهم المذهبية الخاصة التي أدّت بهم إلى هذه الظاهرة، وهي على ما يبدو ظاهرة «قطيعيّة» النشأة والتكوين، وهي استمرار مشوّه ناتجة عن موروثات «الفتنة» التي شخّصها المفكّر التونسي هشام جعيّط بأعلى درجات التحليل العلمي، وبأرقى المناهج التاريخية التي عرفتها العلوم الاجتماعية في عموم المنطقة. لكن جزءاً آخر من نشطاء ومؤيّدي «الضربة» الماحقة والساحقة التي ينتظرونها على أحرّ من الجمر هم أُناس في هذه المنطقة، وفي كل منطقة يمكنهم الحديث، مجرّد الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وذلك لأنهم، وفي جزء كبير منهم مرّغوا الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوحل، وهم أنفسهم الذين «سكتوا» عن قتل وجرح مئات آلاف الفلسطينيين في الحرب المستمرة على الشعب الفلسطيني، وهم أنفسهم الذين رأينا إنسانيتهم في مخيمي «تل الزعتر» 1976، و»صبرا وشاتيلا» 1982، وحتى في «نهر البارد» 2007، وهم أنفسهم، أو بعضهم على الأقلّ شاركوا بإعدام الفلسطينيين بأيديهم على الحواجز الشهيرة، وهم أنفسهم كانوا «يفرفكون» أيديهم فرحاً عندما كانت تنتشر جثث اليمنيين والليبيين والسوريين في الشوارع، دون أن نسمع لهم صوتاً، أو نشهد لهم مجرّد إشارة إيماء واحدة.
القسم «القطيعي» لا يستطيع أن يدرك ــ بحكم قدراته ومؤهّلاته المحدودة ــ أن سقوط النظام الإيراني، لا لأسباب ديمقراطية، ولا لأسباب تتعلّق بحقوق الإنسان، وإنما لأسباب إستراتيجية سياسية، أن ترامب سيمسح الأرض بزعماء المنطقة كلّها، وسيذلّهم كما لم يتم إذلالهم في أي مرحلة سابقة على إذلالهم الحالي، وسيتوّج نتنياهو كحاكم عسكري مفوّض على معظم هذا الإقليم، أما الجزء الآخر من «المصطهجين» فليس لديهم أيّ مشكلة بأن يلعبوا دور «الفُتوّات» في أبشع نسخة وصلتنا من التراث المصري الحديث حول أدوارهم السياسية والاجتماعية، إضافةً إلى أدوارهم في تدفيع الخاوات والإتاوات، وملاحقة الفقراء حتى آخر كسرة خبز لديهم.
أقصد أن جماعة القطيع، كما هم جماعة الفتوّة لا يهمّهم بشيء، مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان لأنهما معاً، وفي الغالب هم ضد الديمقراطية، وضد حقوق الإنسان، وضد التحرر، وضد الحرية الحقيقية، بالرغم من كل الملاحظات الحقيقية على سلوك النظام الإيراني على هذا الصعيد، بل وعلى بنية النظام في الاستحواذ الفارسي على هذه البنية، وفي مسائل جوهرية بقضايا حقوق القوميات للشعوب الإيرانية بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، وليس بالمعنى السياسي طبعاً.
المضحك المبكي على حدٍّ سواء، أن البعض ما زال يرى في النظام الإيراني نظاماً متفاهماً مع أميركا، ومع دولة الاحتلال، ولا يرى، أو ما زال لا يرى بأن النموذج الإيراني هو نموذج متمرّد على سياسة الهيمنة، وأنه لهذا السبب، ولهذا السبب قبل غيره، مطلوب إمّا للاجتثاث أو الاحتواء، أو للترويض حسب مخاوف «الغرب» كلّه من الخطر الذي يمثّله هذا النموذج على مصالحهم، وعلى مخطّطات هيمنتهم، والمأساوي في هذا كلّه أنهم، وخصوصاً الجناح «القطيعي» منهم ما زالوا يبكون ويلطمون على أطلال هذه الأسطورة التي خدعوا بها أنفسهم سنوات طويلة، حتى بعد أن اندثرت فعلياً من سوق التداول السياسي، وكيف أن العالم كلّه يخلو في إطار ما يسمى بالدول النامية من نزعات استقلالية حقيقية كما هو حال الدولة الإيرانية، ونكاد لا نستطيع إيجاد ما يفوق أصابع اليدين من هذه الدول في عالمنا اليوم.
أما سؤال الصفيح الساخن أو الدافئ، فهو يستحقّ معالجة موسعة سنكتفي في هذا المقال بالذهاب إلى أسئلته المنطقية، وإلى بعض جوانبه التي نراها أساسية وجوهرية.
أكثر جهة في هذا العالم تحسب حسابات مدقّقة لما يمكن أن تؤول إليه الحرب على إيران هي أميركا، وقبلها وبعدها، وإلى جانبها دولة الاحتلال.
فمنذ وقف إطلاق النار بعد حرب الـ 12 يوماً لا يوجد ما هو في مصلحة أميركا ودولة الاحتلال سوى المظاهرات الاحتجاجية، في حين أن كل المؤشّرات التي تتعلّق بالقدرات الإيرانية كانت وما زالت في مصلحة إيران، ونتنياهو نفسه عرض على ترامب في فلوريدا ملفّاً كاملاً حول هذا العنوان بالذات.
فإذا كان ترامب نفسه قد أوقف تلك الحرب خوفاً من عواقب استمرارها عليه وعلى «بقاء إسرائيل»، كما قال هو، وبعظمة لسانه، فإن من باب أولى أن تذهب أميركا إلى البحث عن حلول سياسية، وليس عن صدام عسكري محفوف بأعلى درجات الخطر.
في هذه الحالة إذاً، فإن «الحرب» على إيران إمّا أنها تكتيكية تتعلّق بعمليات استخبارية محكمة تهدف إلى «دعم» الاحتجاجات وتصعيدها، أملاً في أن تبدأ بتشكيل تهديد حقيقي للنظام، وهذا معناه أن الحرب الحقيقية ليست على الأبواب، وأن أميركا ستنتظر اللحظة «الحاسمة»، وإما أن ترامب يعرف بأن حدوده تقف عند هذا الحدّ، وليس الآن فقط، وإنّما في المستقبل القريب، أيضاً، وذلك بعد ان بدأت الأوضاع الاحتجاجية بالانحسار حسب الكثير من المصادر المستقلّة.. أو أن الاختناق الأميركي الداخلي قد دخل في مرحلة الذروة، وأن الذهاب إلى دولة لاتينية أخرى ما زال متعذّراً، والمسارعة إلى جزيرة غرينلاند لم تنضج ظروفُها بعد، وبالتالي فإن «التذرّع» بالاحتجاجات الإيرانية هي «تسليكة» إلى أن يرى هو وصديقه نتنياهو الخطوات التالية.
وإذا ذهبنا إلى ما هو أبعد من ذلك، وقرّر ترامب توجيه ضربة قوية إلى إيران، وأراد أن يُبعد الدولة العبرية عن المواجهة لأسباب كثيرة، وربما أهمها أن ترامب يأمل بأن يحظى بدعم خليجي كامل لهذه الضربة، فإن الأمور هنا، أيضاً، ليست في مصلحته، لأن الخليج لا يرغب بتعريض أمنه للخطر في حال إن كانت الضربة كبيرة، وكان الردّ الإيراني عليها شاملاً وقوياً.
كل هذه المؤشّرات تقول بأن الضربة الأميركية لإيران ليست مرجّحة بالمعنى الذي يجري الحديث عنه.
ولنذهب إلى ما هو أبعد من ذلك في الافتراض، وأن ترامب قرر ضرب إيران بهدف إسقاط النظام بكل قوة، حتى لو أدّى الأمر إلى فوضى شاملة تكون الدولة الإيرانية هدفها أو ضحيتها الأولى، فمن أين لترامب، ولنتنياهو أن يعرفا بأن الأمور ستسير على هذا الطريق الذي يبدو ممكناً على الورق؟
لا أحد يعرف القوة الكامنة في الردّ الإيراني، ولا أحد يستطيع التكهّن بالنتائج، لأن إيران ــ وهذه المسألة على ما يبدو باتت محسومة ومؤكّدة ــ تمتلك أنواعاً من الصواريخ، لا تُعرف ما هي، ولا اسمها، ولا حتى مدياتها الحقيقية حتى الآن على أي وجه من أوجه اليقين.
كل ما يُعرف أن هذه الصواريخ هائلة التدمير، موجودة بالآلاف، لا يمكن الوصول إليها حسب المعروف حتى الآن، لا تخطئ أهدافها بأكثر من سبعة إلى عشرة أمتار، وغير قابلة للإسقاط، إما بسبب سرعتها الهائلة ــ ما فوق الـ 15 ماخ ــ وقادرة على حمل رؤوس نووية ويصعب اعتراضها.
هذا كلّه أوّلاً، أمّا ثانياً، فإن أحداً لا يعرف على وجه الدقّة فيما إذا كانت إيران تمتلك أو لا تمتلك مثل هذه الرؤوس، أو حتى فيما إذا تمّ تزويدها من طرف ثالث بقنابل نووية، أو حتى فيما إذا كانت تمتلك أسلحتها الخاصة التي تعادل السلاح النووي، أو ربما تتفوّق عليه.
وإذا كانت إيران تعتبر أن الحرب القادمة مع أميركا هي حرب وجودية، والحرب الأولى والأخيرة، فليس من المنطق مطلقاً أن يكون الردع الإيراني للدفاع عن وجودها ما زال أسيراً لفتوى فقهية منتظرة من علي خامنئي، لأن الأمر إذا كان كذلك فهو أقرب إلى عقلية الدراويش منه إلى القيادات المحنّكة، وهو مغامرة بمستقبل البلاد، وتهديد لوجودها قبل ذلك، وفي الحاضر قبل كل شيء.
ولأنني لا أعتقد بأن القيادة الإيرانية بهذه السذاجة، فأغلب الظنّ أن الحرب على صفيح دافئ، وليس على صفيح ساخن، أو صفيح يغلي.
صحيح أنّ جنون «الغرب» النابع من سلسلة أزماتهم الخانقة هذه المرّة يمكن أن يصل بهم إلى المقامرة، إلّا أن الصحيح، أيضاً، أن ترامب الذي يتباهى بالقوة هو أكثر زعيم يخاف القوة المقابلة، ولا يحتاج الأمر لمعرفة ذلك، والتأكّد منه سوى كشف حساب بما قام به، وما هدّد به، وما نفّذه في الواقع.