بقلم د عاطف ابو سيف

الحرب على إيران: انعدام الخيارات

نشرت في 27 سبتمبر 2026 12:09 م

بقلم د عاطف ابو سيف

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/435769



 

لن يتمكن طرف من حسم الصراع في إيران، وفيما لن تتمكن واشنطن وتل أبيب من حسم مسألة السلاح النووي الإيراني ستواصل طهران جهودها من أجل ذلك. 
وبالقدر الذي تواجه فيه إسرائيل والولايات المتحدة صعوبات في كبح النزوع النووي الإيراني بقدر ما ستواجه إيران صعوبات في سعيها لتحقيق حلمها النووي. 
بعد أشهر من التصعيد وجولات من الحروب العنيفة ظل الأمر معلقاً وغير محسوم ولم تتمكن واشنطن من ردع إيران عن طموحها، فيما وفي ظل تواصل التصعيد والقصف والتضييق وما أحدثه القصف الأميركي والإسرائيلي من دمار في بنية البرنامج النووي الإيراني فإن الطموح الإيراني بات يواجه تحديات كبيرة ستجعل تحقيقه أمراً أكثر صعوبة. 
لا يملك ترامب الكثير من الخيارات إذ إن جموحه العبثي لإثارة الأزمات في جهات الأرض الأربع لم يعد ينطلي على أحد. 
قبل أيام وقع اتفاقية مع الدنمارك حول الترتيبات الأمنية في غرينلاند. 
والعبرة ليست فيما ورد في الاتفاقية إذ إنها مثل مئات الاتفاقيات التي تبرمها واشنطن مع حلفائها لغايات أمنية، بل تكمن العبرة في حقيقة أن كل ضوضاء ترامب حول غرينلاند لم تتجاوز حروبه على منصات التواصل الاجتماعي. 
وبسهولة كما بات متوقعاً فإن أي فعل يقوم به ترامب يفسره على أنه انتصار وتحقيق لتطلعاته ووعوده. 
تجاوز ترامب وهم المحافظين الجدد حين كانت الأكاذيب الدافع الأساس للفعل السياسي، ولم يعد يهم فيما يقوم به ترامب السؤال حول الحقيقة لأن مثل هذا السؤال يبدو عبثياً حين يتعلق الأمر برئيس يقضي نصف وقته يتحدث. 
عموماً لا يملك ترامب الكثير من الخيارات فيما يتعلق بالتعامل مع إيران. 
بات يدرك أنه لن يتمكن من هزيمة طهران بالقوة العسكرية ليس لأنه لا يملك الترسانة التي تستطيع لو استخدمها أن تدمر إيران بشكل كامل، ولكن لأنه يدرك أن ليس بمقدوره استخدام مثل تلك الترسانة نظراً للعواقب الوخيمة التي ستترتب على ذلك وتمس حلفاءه بشكل كبير. 
صحيح أن ترامب مغامر ومقامر لكنه من ذلك النوع الذي ينسحب بسهولة أمام أي سوء تقدير. 
يمكن قول الكثير عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ولكن الثابت أن طهران فاجأت أعداءها بما تمتلك من ترسانة متطورة ومن مخزون صاروخي فعّال، وربما كان مكمن المفاجأة الأكبر هو قدرتها علي التعافي خاصة في هيكلية الجيش إذ إن مقتل العشرات من قادة الجيش لم يحدث أي ارتباك أو ضعضعة في فعالية الجيش الإيراني. 
كما أن توقعات الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية بحدوث توترات داخلية وربما انتفاضة أو ثورة داخلية وربما تمرد داخل الجيش لم تحدث، إذ على العكس ظلت الجبهة الداخلية الإيرانية متماسكة بشكل لافت. 
لم يخل الأمر من بعض ردات الفعل خاصة في المنطقة الكردية لكن أيضاً كل الجهود لدفع حالة التمرد للأمام لم تنجح.
أما حليف ترامب وظله، نتنياهو، فيكاد يكون معدوم الخيارات في الفترة المتبقية له من الحكم، إذ إن كابوس خسارة تحالفه للانتخابات يلاحقه حتى ظهور النتائج وتشكيل الحكومة القادمة إذ قد يتعذر على خصومه تشكيلها لعدم وجود أغلبية كافية لدى أي طرف دون الصوت العربي الذي يصار لشطبه من أجل ذلك. 
ومع هذا ستشكل الأصوات العربية «بيضة القبان» التي لن يرغب أي طرف بخطب ودها على الأقل في مرحلة الانتخابات. 
مثل حليفه ترامب يقدم نتنياهو صورة مشرقة عن حربه على طهران مدعياً أنه أعاق تحقيق الحلم الإيراني سنوات دون أن يقدم تفسيرات عن عجز منظومة الدفاع في منع الصواريخ الإيرانية من ضرب البلاد من جنوبها لشمالها. 
عموماً لم يعد بمقدور نتنياهو خوض حرب جديدة على طهران في المستقبل القريب لارتفاع كلفة التصعيد معها، كما أنه لا يرغب ولن يسمح، كما يقول، بأن تمتلك طهران سلاحاً نووياً. 
وعليه يبدو خيار التصعيد المتقطع وارداً طالما عنى إشغال إيران بالدفاع عن نفسها بدلاً من تطوير أسلحة نووية. 
وفيما لن يعني هذا التصعيد المتقطع، وهو المتبع الآن، أن إيران ستعجز عن التكيف معه وتقوم بخلق مسار موازٍ وبخطط جديدة تضمن حماية برنامجها النووي، فإنه سيعني مرة أخرى أن نتنياهو التزم بكلمته بمكافحة كل أعداء إسرائيل في الشرق الأوسط من السلطة الفلسطينية وحماس وحزب الله والحوثيين وإيران. 
في ظل انعدام الخيارات وفي ظل عجز الخيار العسكري عن حسم المعركة فإن مثل هذا التصعيد المتقطع قد يصبح النمط السائد في التعامل مع طهران. 
بالنسبة لترامب فإن نتائج التغيير النصفي في الكونغرس ستعني المزيد من القيود على سياساته بجانب حقيقة أنه يبدأ في النزول عن درجات البيت الأبيض في آخر سنتين له في العمل السياسي. 
ومع ذلك فإن نمطاً آخر من التعامل سيتطور مع الزمن يشبه إلى حد كبير النموذج العراقي الذي قاد في نهاية المطاف إلى تآكل نظام صدام حسين. 
يكفل مثل هذا النموذج مواصلة الضغط من أجل إسقاط النظام حيث يتم خلال ذلك خلق مشاكل داخلية وتعزيز النزعات المناطقية والإثنية داخل الدولة الإيرانية وربما الطموحات الانفصالية. 
كل ذلك سيتعزز من اشتداد الحصار المالي والاقتصادي الذي سيجعل التفكير الشعبي بالخلاص أمراً محتوماً خاصة إذا عجز النظام عن توفير شبكات أمان اقتصادية تعيد بعض الاستقرار للمجتمع.
ومع ذلك فإن مثل هذا الخيار لا يبدو سهلاً في ظل أن إيران ليست العراق خاصة جغرافياً. 
في الحالة العراقية كانت تقريباً كل دول الجوار مشاركة في الحرب على بغداد وهو الأمر الذي لن يتحقق في الحالة الإيرانية خاصة مع تعدد دول الجوار وتشابك المصالح الاقتصادية بجانب الموضوع الطائفي. 
حرب باردة جديدة ربما لكنها أيضاً ستظل مرهونة بتطورات إقليمية خارج سيطرة الدول الفاعلة.