نشرت في 02 يونيو 2026 11:18 ص
https://khbrpress.ps/post/430976
تكشفت مع مرور الوقت جملة من الحقائق، خاصة بالحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، أولها أن نتائج المواجهة العسكرية التي استمرت أربعين يوماً، لم تكن مدمرة تماماً للقدرات الجوية والبحرية والبرية العسكرية الإيرانية، كما ادّعى مراراً وتكراراً الرئيس الأميركي، وتأكيد ذلك، لم يقتصر على قدرة إيران على الرد، والتي تجلّت في إطلاق الصواريخ المتعددة والمتنوعة، على كل من إسرائيل والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، وحسب، بل تجلت فيما يجري من «تفاوض» منذ الإعلان المؤقت لوقف إطلاق النار، لمدة أسبوعين، وحتى الآن، وحيث إن الرئيس الأميركي، اعتقد عن وعي أو دونه، بأن إيران قد تحطمت عسكرياً وسياسياً بعد أربعين يوماً من المواجهة العسكرية، فقد تقدم لها بالمطالبة بالاستسلام غير المشروط، وعادة الأمور تجري هكذا حين تنتهي الحرب بمنتصر ومهزوم بشكل صريح وتام، لكن ظهور متوالية المقترحات التفاوضية طوال ما يقرب من شهرين يؤكد، أن ادعاءات ترامب، لم تكن دقيقة، على أقل تقدير.
أي أن التفاوض الذي يجري منذ شهرين - تقريباً، بشكل لا يدل على أن الأمور ذاهبة إلى إعلان عن موافقة إيرانية على المطالب الأميركية، أي إلى الموافقة على ورقة الاستسلام، يؤكد أن مواجهة الأربعين يوماً العسكرية لم تكن حاسمة، ولم تحدد نتيجة الصراع بعد، والحقيقة الثانية هي أن التفاوض حصر المواجهة التي صارت سياسية/إعلامية منذ وقف إطلاق النار، بين طرفين فقط، هما إيران وأميركا وإخراج إسرائيل من معادلة المواجهة تماماً، وإن لم يضع حداً نهائياً لتدخلها عبر الضغط والتأثير على واشنطن، فيما يخص أولاً العودة للمواجهة العسكرية، أو طبيعة الاتفاق الناجم عن التفاوض، وحقيقة ثالثة مؤكدة هي أن وقف إطلاق النار الذي كان مؤقتاً، تحول مع مرور الوقت إلى وقف شبه دائم، فلم يتم منذ مضي أسبوعين على يوم الثامن من نيسان، لا العودة للحرب العسكرية ولا إعلان تمديدها، ولا الاتفاق على وقف الحرب أو اللجوء إليها، حقيقة أخرى من المفيد الإشارة إليها وهي أن متابعة التفاوض، من خلال ما يتم تقديمه من مقترحات وردود على المقترحات بين الطرفين والوسيط الباكستاني، كذلك من متابعة ما يجري على الأرض، تقول إن «عقدة التفاوض» قد انحصرت في بندين أساسيين، هما: مضيق هرمز مقابل الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الأميركية، واليورانيوم عالي التخصيب مقابل رفع العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، وبذلك لم تعد مقترحات التفاوض تتحدث لا عن حلفاء إيران، ولا عن صواريخها البالستية وكان هذان البندان من ضمن الشروط الأساسية أو الأهداف التي وضعتها أميركا وإسرائيل ضمن المطالب، وشنت الحرب من أجل تحقيقها.
كل هذه الحقائق تؤكد الحقيقة الأشمل، وهي أن الحرب لم تنتهِ بعد، ولن تنتهي بالضربة القاضية، كما توقع الرئيس الأميركي، وأن الصراع ذاهب للحسم وفق نظام تسجيل النقاط، أي أنه سيأخذ وقتاً أطول بكثير مما كان سيكون عليه حال الحسم بالضربة القاضية، وأن ذلك يعني أن كل ما يقوله دونالد ترامب، بين فينة وأخرى، عن الاقتراب من التوصل للاتفاق ما هو إلا محض خيال لا أساس له في الواقع، وهذا في أحسن أحواله، يهدف إلى وقف مؤشر سعر النفط العالمي عن مواصلة الارتفاع، كما يعني تراجع خيار المواجهة العسكرية عن المكانة الأولى، حيث يمكن التفكير في أسوأ الأحوال بعمليات عسكرية محدودة أو موضعية، للضغط من أجل التوصل للاتفاق، وترجيح استمرار التفاوض يعني أن الحالة ستستمر هكذا دون إعلان الحرب مجدداً، ودون إعلان السلم، أو حالة اللاحرب واللاسلم، بما في ذلك عدم الإعلان لا عن تمديد وقف إطلاق النار، ولا عن إزالته من الطريق، أما ما هو متوقع من وقت للتفاوض فإنه - بتقديرنا - لن يكون يوماً ولا أسبوعاً ولا شهراً أو شهرين، ومن أجل التوصل لمقاربة بهذا الشأن لا بد من التذكير بما كان عليه الحال سابقاً، أي قبل أكثر من عقد من السنين.
ذلك أن التوصل لاتفاق 5+1 مع إيران عام 2015 احتاج إلى أكثر من عشرين شهراً من التفاوض بين إيران من جهة والدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي مع ألمانيا، بينما التفاوض بين إيران اليوم، وأميركا بالوساطة الباكستانية، هو أصعب بكثير، لأكثر من سبب، أولها وأهمها، أن دونالد ترامب، لا يمكنه القبول باتفاق أقل من ذلك الاتفاق الذي وقعه الرئيس السابق باراك أوباما، وتنصل منه ترامب عام 2018، وانتقده مراراً وتكراراً، بينما إيران اليوم لا تفاوض الدول العظمى مجتمعة، بل تفاوض أميركا فقط، وأميركا التي شنت عليها حرباً مرتين، في حزيران الماضي وحرب الأربعين يوماً في رمضان هذا العام، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إيران اليوم أقوى بكثير مما كانت عليه عام 2015، عسكرياً بدليل الصمود في ساحة الحرب، وسياسياً، لأنها باتت مسنودة من وراء الكواليس على الأقل من دولتين من الدول الست التي فاوضتها في اتفاق 2015، هما: روسيا والصين.
أي أن إيران على النقيض من ترامب تماماً، باتت تتطلع لاتفاق أفضل من اتفاق 2015، ذلك الاتفاق الذي نزع مخاوف المجتمع الدولي، من احتمال امتلاك إيران السلاح النووي، ومنحها حقها الطبيعي، في نفس الوقت، كونها دولة موقعة على الاتفاقية الدولية، للحد من انتشار السلاح النووي، في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، ليس هذا وحسب، بل إن إيران التي قايضت البرنامج النووي، برفع العقوبات، وظلت مستعدة لهذا حتى يوم 26 شباط في جنيف، صارت اليوم في موقع تفاوضي أقوى بكثير، بعد أن امتلكت ورقة مضيق هرمز، خلال حرب الأربعين يوماً، لذلك فإن الموقف التفاوضي بين الطرفين، اليوم ليس هو الموقف التفاوضي، الذي كان عليه لا يوم 26 شباط، ولا يوم 28 منه، ولا حتى يوم الثامن من نيسان الماضي.
ولعل التدرج الذي يؤكد ما نذهب إليه، والذي يظهر أن إيران في موقف تفاوضي قوي، هو تصريحات ترامب نفسه، التي تراجعت كثيراً، من المطالبة باستسلام غير مشروط، لسنا بصدد تعداد المطالب التي كانت تؤكد محتوى هذه المطالبة، وكذلك تهديداته بمحو الحضارة الإيرانية، مروراً بفتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية، وبالسطو على اليورانيوم، عبر عمليات إنزال عسكرية، وما إلى ذلك إلى التوقف تماماً، ليس فقط عن التهديد بما ينطوي على استخدام السلاح النووي ضد إيران، بشكل مبطن، إلى عدم التهديد باللجوء للقوة العسكرية أصلاً.
الحالة وفق ما هي عليه الآن، تقول، إن المرجح هو أنه مع مرور بعض الوقت، حيث هبط مستوى التداول المحموم بعملية التفاوض، أن يتوقف الحال تماماً على ما هو عليه ميدانياً، وما هي إلا شهور قليلة وتنشغل إسرائيل بانتخابات الكنيست، وأميركا بالانتخابات النصفية، ليكتفي ترامب بما يفرضه من حصار بحري على إيران، وما تشنه إسرائيل من حرب على لبنان، في موقف مضاد لإيران، التي طالبت بوقف إطلاق النار على كل الجبهات، وبفك الحصار مقابل فتح مضيق هرمز من قبلها، هذا يعني أن أميركا وإسرائيل اضطرتا للاكتفاء بهذا، أميركا تواصل فرض حصار بحري على إيران، وإسرائيل تعوض إخفاقها في إيران، بمواصلة الحرب على لبنان وغزة والضفة الفلسطينية.
أما إيران فإنها تخترق الحصار عملياً من خلال الحدود البرية مع باكستان، وبتبادل تصدير النفط مع روسيا، حيث كانت إيران تصدر نفطها للصين وروسيا إلى الهند، فيمكن تبديل الوجهة بينهما، كما فعلت الصين من قبل، ونجحت في الالتفاف على رسوم ترامب الجمركية، بالتصدير لأميركا عبر المكسيك، كذلك إيران ترى أن ما حققته خلال الحرب، من العثور على مصدر دخل عبر مضيق هرمز، يعوضها عن الأموال المجمدة، وكذلك يسد النقص الناجم عن استمرار العقوبات، وفي لبنان، يواصل حزب الله التصدي للحرب الإسرائيلية، في حرب نجح حلفاء الطرف «الأضعف» بالقدرات العسكرية، على تحويل المواجهة، من حرب تنتهي بالضربة القاضية، إلى حرب استنزاف يتحدد مصيرها بالنقاط.
مع كل هذا يبقى سعر النفط هو العنصر الضاغط من أجل التوصل إلى اتفاق يبدو مستحيلاً في المدى المنظور، نظراً للتناقض الصارخ في موقفي إيران وترامب التفاوضيين، وإن كان اتفاق الإطار، كما أشرنا في مقال سابق، يمكن أن يكون حلاً، لأنه يؤجل التفاوض حول البرنامج النووي، ويكتفي بفتح هرمز مقابل فك الحصار البحري، لذلك فإن الرهان هنا هو على من يصرخ أولاً في لعبة عض الأصابع، وعلى الأرجح أن يقر ترامب دون إعلان، بفشله حتى لا نقول بهزيمته، ويترك إيران تفرض نظام إدارتها لمضيق هرمز، بحجة أنه أمر خاص بغيره من الأوروبيين والآسيويين.