نشرت في 27 سبتمبر 2026 11:50 ص
https://khbrpress.ps/post/435763
في الفيلم الوثائقي الذي أنتجته وعرضته قناة الغد عن الرسالة التي أرسلها قائد حماس بغزة يحيى السنوار لإسرائيل وما تحدث عنه الوسيط الفلسطيني سفيان أبو زايدة لمدة عام ونصف يوجد الكثير من الدلالات والإدانات لنتنياهو وحماس، وهو ما يمكن أن يعطي من التفسيرات لمرحلة شديدة الخطورة كان يمكن أن تُجنب غزة كل هذا الخراب، فالأمر أبسط كثيراً لفهم حالة شديدة التعقيد.
وصلت رسالة شديدة الوضوح منتصف أيلول أي قبل ثلاثة أسابيع من عملية حماس الكبرى تقول إن هناك زلزالاً قادماً إذا لم تحرك إسرائيل صفقة الأسرى، ليضيف الوسيط أبو زايدة إن أجهزة الأمن الإسرائيلية استدعته على عجل في اليوم التالي لتقول نصاً: «لا أحد نام في إسرائيل تلك الليلة»، وإذا كانت إسرائيل قد استنفرت لحظة وصول الرسالة فلم يعد هناك مجال للتقدير بأن المخابرات الإسرائيلية لم تبلغ القيادة السياسية وعلى رأسها بنيامين نتنياهو بالأمر.
وهو الأمر الذي يثير سؤالاً افتراضياً لكنه قريب للواقع: لماذا لم تفعل إسرائيل أي شيء تحسباً للسابع من أكتوبر؟
الأمر ليس بهذا التعقيد. فنتنياهو كان حينها يتعرض لضغوط داخلية هائلة، إسرائيل في الشوارع وهناك استنكاف عن الخدمة بدأ يضرب المؤسسة العسكرية وصل طواقم الطيارين، والمجتمع على حافة حرب أهلية، وانهارت أسهُم الائتلاف الحكومي في الاستطلاعات من 64 مقعداً تشكلت منها الحكومة لتخسر ما يقارب عشرة مقاعد بفعل الثورة القضائية.
وكانت إسرائيل آنذاك تشهد هجرة في العقول وشركات الهاي تيك والأكاديميين والنخبة العلمانية التي تحمل الدولة، فالمنطق الأقرب للرسالة التي نشرتها القناة هو أن القيادة السياسية ممثلة ببنيامين نتنياهو انتظرت عملية كبيرة تجيء من حركة حماس معتقداً أنها يمكن أن تشكل خشبة خلاصه من كل تلك الضغوط الهائلة حين يرد بإعلان حرب على غزة، لكنه لم يتوقع أن يكون الفعل على نمط السابع من أكتوبر.
لا يمكن قبول تبرير رواية نتنياهو التي يقدمها أشد معجبيه الصحافي سيغال عاميت بأن رئيس الوزراء لا يعلم حكايات كهذه، محاولاً التخفيف من وطأة الرسالة التي نقلها ونشرتها القناة مباشرة من المصدر الوسيط أبو زايدة، فلم يكن الأمر تحقيقاً صحافياً بقدر ما كان وثائقياً بشاهد العيان المعروف بمصداقيته والذي ذكره تقرير هآرتس قبل أسبوعين عندما تم كشف وساطته للحديث عن الدور الذي لعبه.
تدحرجت المسألة عندما نشر شلومي ألدار الصحافي في هآرتس تقريراً عن رسالة نقلها الرئيس الإماراتي لنتنياهو في مكالمة استمرت 45 دقيقة كانت تحمل مضمون رسالة السنوار بل تشبهها نصاً بأن هناك زلزالاً في الطريق تعد له حركة حماس. وقد استخدم رئيس الإمارات نفس الكلمة «زلزال» التي أملاها السنوار على أبو زايدة.
وهنا لم يعد هناك مجال للشك. وتزيد قناة «i24 «الإسرائيلية الأمر بالقول إن مدير المخابرات المصرية حينها وصل إلى إسرائيل قبل السابع من أكتوبر بأسبوع ونصف وحذر قائلاً: «غزة ستنفجر في وجوهكم»، وبالتالي تصبح تبريرات سيغال مجرد محاولة تغطية هزيلة لانكشاف نتنياهو.
أما كيف تم اتخاذ القرار الأكثر فداحة في تاريخ الشعب الفلسطيني الذي استدعى هذه الهزيمة الإستراتيجية وأحال غزة إلى كومة من الركام، فما ينقله الوسيط الذي عمل لعام ونصف أن هناك تقدماً حصل في الاتصالات بشأن تبادل الأسرى، وباعتراف السنوار نفسه كانوا قد وصلوا إلى مرحلة تبادل الأسماء وقد وافق رئيس الشاباك على أن يكسر محرّم «من على أيديهم دم» بشكل رمزي، أي أنه كانت هناك فرصة للتوصل لصفقة مهما بلغت تنازلات وخسارات السنوار فيها مقابل جثتين كانت تعلم إسرائيل أنها جثث واثنان أحياء الأول عربي والثاني أثيوبي.
فلن تصل إلى تلك الخسارات التي وصلت لها غزة وتحتاج عقوداً طويلة لإزالة الخراب الذي أحدثه فكيف يحدث كل هذا بالشعب الفلسطيني ؟
أمن أجل بعض الأسماء كانت أكبر مغامرة سيكتبها الفلسطينيون في تاريخهم ؟
فإذا كان هناك «تقدم ولكنه غير كافٍ» باعتراف السنوار نفسه وهو يملي الرسالة على الوسيط فلماذا قطع المفاوضات وذهب لقلب الطاولة ؟
ألا يعرف أن تجاهل التفاوض هو جزء من أدوات إسرائيل التفاوضية ؟ ألم يكن لديه مستشارون يدركون ذلك أو ينصحونه بموازين القوى وأن عملاً بهذا الحجم سيؤدي لتجريف غزة وإنهاء حكم حماس وقتل كل قياداتها وتفكيك جناحها المسلح ؟. ستبقى الإجابات معلقة بمغادرة الرجل عالمنا.
لقد أضاءت الشهادة التي عرضتها قناة الغد مرحلة سبقت حرب الإبادة التي كان يمكن تجنبها خاصة أن إسرائيل كانت تريد تثبيت فصل غزة عن الضفة، ولم تكن معنية بإنهاء الوضع القائم بحكم حماس بل كانت معنية ببقائه.
كان هناك وسطاء يذهبون ويجيئون ... أبو زايدة ... العمادي ... مصر، كانت هناك تحذيرات أيضاً، لقد ذهبت غزة ضحية قصر النظر لدى قيادة حماس التي كانت تواجه شخصية شديدة الدهاء مثل بنيامين نتنياهو منتظراً ومتربصاً أن ينفذ الطرف الأول تهديده ... وقد كان!