نشرت في 09 يونيو 2026 10:48 ص
https://khbrpress.ps/post/431267
يقدّر المحللون السياسيون الإستراتيجيون أن تبقى حالة التوتر في الشرق مدة تقارب العشر سنين، وذلك ارتباطاً بحالة النظام العالمي، الذي لم يعد مستقراً على حاله، بسبب الصراع بين أكبر اقتصادَين في العالم، هما الولايات المتحدة التي تكافح من أجل الإبقاء على نظامها العالمي الحالي، الذي تتربع فيه على عرش النظام العالمي منفردة منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، أي منذ انتهاء الحرب الباردة، التي بانتهائها سقط النظام العالمي ثنائي القطبية، الذي كان عليه العالم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، والصين التي تسعى إلى تغيير النظام الحالي، بالدفع إلى نظام عالمي، لا تتضح معالمه بعد، إن كان سيكون أحادياً أو ثنائياً، أو حتى متعدد الأقطاب، وهناك أكثر من قوة اقتصادية وعسكرية تشاركها في هذا الاتجاه، أهمها روسيا، ودول أخرى، ليست متضررة من النظام العالمي الأميركي وحسب، بل هي في حالة عداء معه منذ عقود طويلة، في مقدمتها إيران، كوريا الشمالية، وحتى الاتحاد الأوروبي بصورة أو بأخرى.
أما لماذا يقدر المحللون الفترة أن تكون بحدود العشر سنوات، فلا أحد يجيب بالطبع، لأن هذا أمر بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً، بسبب وجود عوامل عديدة، تحدد نتيجة الصراع الكوني بين القوة الأميركية والقوى الأخرى، حيث لا يمكن التكهن الآن، بمن سيفوز من الطرفين، وإن كانت نتائج الصراع في كل من الشرق الأوسط، وأوكرانيا، قد رجّحت بقدر واضح بأن النظام الأميركي لن يبقى طويلاً على حاله، المهم أن المقصود من تحديد المدة هو القول: إن الصراع الساخن الحالي من غير المتوقع أن ينتهي قريباً؛ لأنه مرتبط بالصراع الكوني على النظام العالمي، وبالتالي فإن من يعتقد من أمثال بنيامين نتنياهو أن إعادة تشكيل الشرق الأوسط باتت في الأفق فهو مخطئ، بل إن نتنياهو نفسه اقترب من تقديرات المحللين الإستراتيجيين، حين أعلن أن إسرائيل تسعى إلى الاستغناء عن الدعم والإسناد الأميركي في غضون عشر سنوات.
وربما كان تقدير المحللين مرتبطاً بعنصر اقتصادي، له علاقة بمعدل نمو الاقتصاد الصيني السنوي، ومعروف أن الصراع على النظام العالمي أو داخله لم يعد عسكرياً كما كان الحال في القرون الماضية، فقد توقف تفكير أو سعي القوى العسكرية العالمية للسيطرة على العالم بالقوة العسكرية فقط منذ الحرب العالمية الثانية، التي انتهت بقصف كل من مدينتَي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين بالقنابل النووية الأميركية، ليشهد العالم سباق تسلح نووي بعد ذلك، تحول إلى رادع يمنع نشوب حرب عالمية ثالثة، لأنها ستعني فناء البشرية، نظراً لما لدى تسع دول في العالم من قنابل نووية، عدد قليل منها كاف لتدمير الكرة الأرضية بالكامل، ومعروف أيضاً أن إجمالي الناتج القومي الأميركي يعادل نحو 30 تريليون دولار، فيما إجمالي الناتج القومي الصيني يبلغ نحو 20 تريليون دولار، لكن مع نمو سنوي يتجاوز 5%، بينما ليس هناك من نسبة مئوية تذكر كنسبة نمو في الاقتصاد الأميركي الشائخ، ما يعني أن الاقتصاد الصيني سيتجاوز خلال عشر سنوات أو أقل الاقتصاد الأميركي، وبذلك يتم إقصاء أميركا عن عرش النظام العالمي، لأن الصين مع قوى أخرى، مثل دول بريكس، وقوتها العسكرية مع قوة روسيا وكوريا، تتفوق عسكرياً أيضاً على القوة الأميركية.
المهم ما يعنينا نحن هنا - كشرق أوسط بشكل عام وكفلسطينيين بشكل خاص - هو ما سيكون عليه حال أو شكل المنطقة بعد عقد قادم، أي بعد استقرار حالة النظام العالمي، وهل سيكون جيداً أو سيئاً ارتباطاً بنتيجة الصراع الكوني، ومنه الصراع الحالي في الشرق الأوسط، وهذا سيتقرر وفق أحد خيارين لا ثالث لهما، أحدهما سيكون سيئاً جداً، هذا لو أن أميركا حسمت الصراع الكوني لصالحها، فيما حسمت إسرائيل الصراع في الشرق الأوسط لصالحها، أما في حال العكس، أي أن إسرائيل انهزمت في حروبها في الشرق الأوسط، وخسرت أميركا صراعها الكوني، فإن حالنا كفلسطينيين وعرب، إن لم يكن أفضل بكثير، فلن يكون أسوأ، مع ضرورة الانتباه إلى أن الشرق الأوسط، خاصة الجزء العربي منه، ستتغير ملامحه في الحالتين، ما يعني على الأرجح عدم ثبات «سايكس - بيكو» لا بالنسبة للحدود التي رسمت في تقسيم العالم العربي، ومنه إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية، ولا بالنسبة للنظم الطائفية والعلاقات الطائفية - الإثنية التي نشأت، خاصة تلك التي كانت برعاية دول الاستعمار الغربي.
ما من شك بأن من يفكر ويسعى لإقامة «إسرائيل الكبرى»، لا يمكنه أن يفكر بقيام دولة فلسطين، أياً يكن شكلها، ولو نجح الإسرائيليون في تنفيذ مشروعهم هذا، الذي ليس بالضرورة أن يكون مطابقاً تماماً للحلم اللاهوتي القديم، «من النيل إلى الفرات» كحدود صريحة، ولكن المؤكد أن الحدود النهائية لدولة إسرائيل الكبرى لن تكون لا حدود التقسيم، ولا حدود 67، بل الحدود التي تطؤها أقدام الجنود الإسرائيليين كما قال يوماً موشي دايان قبل عقود طويلة، بل ستشمل كل أرض فلسطين التاريخية، ومعها الجولان، وما تم احتلاله من شريط حدودي لبناني، ومن قرى إضافية في سورية، وكذلك ما تخترعه إسرائيل من «مناطق أمنية» تشمل معظم سيناء المنزوعة السلاح، أي أن حدود إسرائيل الكبرى النهائية، تعتمد على النتيجة النهائية للصراع الحالي في الشرق الأوسط، ولا شك بأن فلسطين ولبنان وسورية وربما الأردن ومصر، والعراق والسعودية، ستخسر أجزاء من أراضيها لصالح قيام تلك الدولة، وجميع دول الشرق الأوسط ستخضع لسيطرة وهيمنة إسرائيلية اقتصادية وأمنية.
أما في حال انتهى الصراع بعد السنوات القادمة لصالح الصين كقوة عظمى، حتى لو بقيت أميركا قطباً عالمياً، أي أن النظام العالمي ذهب إلى نظام متعدد الأقطاب، فإن مثل ذلك النظام، قد يفرض مستوى أفضل بكثير من احترام القوانين الدولية، أي قد يفرض حل الدولتين، بقيام دولة فلسطين، ويفرض على إسرائيل الانكفاء عن حلم إسرائيل الكبرى، والاكتفاء بدولة التقسيم، أو دولة 67، كذلك فإن معظم دول الشرق الأوسط، وكذلك كل دول العالم، ستعيش في ظل نظام أكثر عدالة وشراكة، فيما التنافس الاقتصادي ينبني على الجهد والمشاركة الفعلية في خدمة البشرية، بعد فرض انكفاء السيطرة الأميركية باقتصادها الطفيلي القائم على أساس سرقة ثروات الآخرين، كما فعلت مع فنزويلا، وكما تفعل منذ عقود مع دول الخليج العربي، وبسبب سيطرتها على التجارة البحرية واعتماد الدولار كعملة تداول دولية، وعلى الأرجح، أن النظام الإقليمي في الشرق الأوسط سيكون على شاكلة النظام العالمي، ومجرد أن تنكفئ أميركا، بعد أن فشلت في أوكرانيا، وبعد أن تفشل في الشرق الأوسط، فإن إسرائيل ستنكفئ أيضاً.
أما إيران فستندفع، وهي تعتبر منذ هذه الأيام أن صمودها ونجاحها في صد العدوان الأميركي/الإسرائيلي المشترك عسكرياً يسمح لها بالتحكم بنحو خمس التجارة العالمية، من خلال سيطرتها على مضيق هرمز، وهي كذلك تشكل بؤرة مركزية في مشروع الحزام والطريق الصيني، وهكذا فإن إيران ستكون قطباً إقليمياً دون شك، وربما تفعل كما فعل الاتحاد السوفياتي حين نسج منظومة الدول الاشتراكية، وهي منذ الآن، تحرص في التفاوض مع الأميركيين على وقف الحرب في كل الجبهات، أي أنها تحافظ على حلفائها الإقليميين الذين في حال انتصرت في حربها الإقليمية، في سياق انتصار الصين وروسيا وإيران في الصراع الكوني على النظام العالمي، فإن هؤلاء الحلفاء سينتصرون داخلياً، بحيث يفرض الحوثي مثلاً سيطرته كاملاً على اليمن، وكذلك يحسم العراق انقسامه الداخلي بين مؤيدين لإيران واتباع لأميركا، ولا شك بأن تغيراً سيحدث في لبنان، ومن يدري ربما يسقط النظام الطائفي في لبنان وفي العراق أيضاً، وقد تذهب الأمور بعيداً جداً، فتهدد وجود دول خليجية اعتمدت طول الوقت في استقلالها على القواعد الأميركية ثم على التطبيع مع إسرائيل.
ملخص القول: إن الشرق الأوسط، لن يكون على حاله تماماً، وهو يشهد منذ أكثر من عامين حرباً إقليمية حاسمة، لن تنتهي غداً ولا بعد غد، وإذا كانت تدور اليوم بين طرفين، فيما معظم الأطراف من دول وقوى تنتظر الوجهة التي ستميل إليها كفة الميزان، لكن يفضّل أن تعلن الدول والقوى اليوم قبل الغد انحيازها، ولعل الحال بالنسبة لفلسطين أكثر وضوحاً من غيرها، وكأن الله سبحانه وتعالى، يشفق على الفلسطينيين من كثرة ما تعرضوا له من ألم وقهر، فمصلحة فلسطين ليست في جانب إسرائيل الكبرى بالطبع، ولا مع النظام العالمي الأميركي، الذي في أحسن أحواله لم يحقق لها الدولة المستقلة، وإذا كانت هزيمة إسرائيل الإقليمية وخسارة أميركا الكونية لا تؤكد ميلاد دولة فلسطين، فإنهما تحتويانه كاحتمال على الأقل.