بقلم حسن خضر

الـبـنـد الـسـادس...!!

نشرت في 08 سبتمبر 2026 11:11 ص

بقلم حسن خضر

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/434942



 

انقلب ترامب على مذكرة التفاهم، التي وقعها مع الإيرانيين، في حزيران الماضي، كما نعلم. 
لذا، لا يندرج الكلام عن المذكرة، اليوم، في باب التذكير بنقضه للعهود نتيجة ضغوطات إسرائيلية الهوى، داخلية وخارجية، أرغمته على التراجع، بل التفكير في الدوافع التي سوّغت له قبولها.
نحتاج، هنا، لاستعادة النص الكامل للبند السادس في المذكرة، الذي يبدو، لأسباب ستتضح لاحقاً، أكثرها غواية، وأوفرها حظاً: «تتعهد الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركائها الإقليميين، بوضع خطة نهائية ومتفق عليها لإعادة إعمار إيران وتنميتها اقتصادياً، بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار». 
ولنقل إن هذا البند يضرب الكثير من العصافير بحجر واحد. فلا يفسر المسوّغ الرئيس لترامب وحسب، بل ويُسهم في تفسير الظاهرة الترامبية نفسها أيضاً. وفي الحالتين نفهم الحروب في الشرق الأوسط وعليه بطريقة أفضل.
نقطة البداية، في هذا الشأن، أن الحرب الأميركية على إيران غير مشروعة بمنطق القانون الدولي، الذي يحتاج سبباً مُقنعاً وكافياً Casus belli لشن الحرب. 
حتى ترامب نفسه يتجنّب وصفها بالحرب، فهذه الصفة تفرض عليه قيوداً ينص عليها الدستور الأميركي، ويصعب التهرّب منها. 
وبالعودة إلى رواية ماغي هابرمان وجوناثان سوان عن الاجتماع الحاسم في البيت الأبيض، فقد تحفّظ كبار مساعدي ترامب على الذرائع التي ساقها نتنياهو للتحريض على الحرب، بينما تحمس ترامب لفكرة أن الضربة الأولى ستقضي على المرشد الإيراني، وكبار القادة الإيرانيين، ولم يجادل في موضوع التحفظات، قال لهم: المهم أن نقتل المرشد، وما يترتب على ذلك ليس مشكلتنا، بل مشكلتهم. ولم يعرف أحد، في حينها، مشكلة مَنْ بالضبط. وفي تفسيرات لاحقة، قيل إن ترامب كان متأثراً بالنجاح المذهل لعملية فنزويلا، وأراد تكرارها في إيران.
تبدو الحرب الأميركية على إيران، بهذا المعنى، نزوة شخصية لنرجسي مغامر لا يقيم وزناً للعواقب. 
ورغم أن هذا التقييم صحيح، إلا أنه لا يكفي لتفسير الحرب، ولا يصدر عن دراية كافية بما تنطوي عليه الظاهرة الترامبية، في الداخل الأميركي والعالم، من دلالات. 
لذا، يمكن للحرب أن تكون مفهومة بصورة أفضل، في حال النظر إلى الترامبية كنموذج للرأسمالية المتأخرة، وإلى هذه بوصفها حكم اللصوص Kleptocracy في الداخل الأميركي، علاوة على إحياء سياسات التوسع الاستعماري (نموذج شركة الهند الشرقية وغيرها) في الخارج (كندا، غرينلاند، فنزويلا، غزة، قناة بنما، المكسيك، كوبا..الخ).
ستكون لدينا معالجات كثيرة لاحقة في موضوع حكم اللصوص، وقد سبق وتكلمنا عن نموذج شركة الهند الشرقية، وسيسل رودس، في معرض الكلام عن «مجلس السلام» الترامبي.
يكفي القول، الآن، إن الحرب الأميركية ـ الترامبية على إيران تقبل التفسير وفي البال حكم اللصوص من ناحية، وسياسات التوسع الاستعماري (طليعتها شبكات تجّار العقارات والهاي تيك والاتصالات وصناعة السلاح) من ناحية ثانية.
في سياق كهذا، وفي الإطار العام للرأسمالية المتأخرة بشقيها الداخلي والخارجي، كما رسمنا ملامحها الأساسية، يمكن القبض على الدلالات المعقدة للبند السادس في مذكرة التفاهم. 
فلا إمكانية للتعمير ما لم يسبقه التدمير. فهذا مشروط بذاك. وبهذا المعنى، لا تفعل الحرب أكثر من كونها تفتح الطريق لمقاولي العقارات، والهاي تيك، والسماسرة من كل صنف ولون. 
بمعنى أكثر مباشرة، ثمة أسباب موضوعية، في صميم بنية الترامبية، تحض على الحرب. 
طلب الإيرانيون في مفاوضات سبقت توقيع المذكرة مبلغ 400 مليار دولار تعويضات عن الأضرار التي ألحقتها بهم حرب عدوانية فرضت عليهم. 
لم يكن في وسع ترامب (وأميركا) قبول فكرة التعويضات، فهي تبدو مهينة تماماً، ومكلفة جداً. 
وعلى سبيل التعويض، مارس هوايته المفضلة، أي زعم الشطارة في عقد الصفقات، فمنح الإيرانيين تسهيلات تتعلّق بالتصرف بجانب من أموالهم المجمّدة، وتسهيلات تتعلّق ببيع نفطهم، إضافة إلى «تجنيد» الشركاء الإقليميين في مشروع لإعادة الإعمار بثلاثمائة مليار دولار.
على أي حال، كلما وردت تعبيرات من نوع الشركاء الإقليميين فهي تمثل إشارة مباشرة إلى الإسرائيليين والإبراهيميين، في المقام الأوّل، إضافة إلى تجّار عقارات أقل شأنا في حواضر عربية، وأتراك وإيرانيين، طبعاً. 
وهذا ينسجم مع الظاهرة الترامبية، بوصفها من تجليات الرأسمالية المتأخرة. 
فكل هؤلاء مكوّنات طبيعية، بدرجات متفاوتة من حيث الأهمية، في الظاهرة المعنية. ولنقل إن جانباً كبيراً من تسديد الفواتير المالية للحرب يقع على عاتق هؤلاء، أيضاً.
وتبقى، أخيراً، مسألة لا تحظى، للأسف، باهتمام أحد. لماذا تطغى مفردات التنمية والتعمير وإعادة التعمير على خطابات الحروب الجديدة في الشرق الأوسط وعليه؟ ففي الحرب الأميركية على الإرهاب، التي استغرقت عقدين من الزمن، سادت مفردات الديمقراطية، وحقوق الإنسان، ومكافحة التطرف والإرهاب، لغة الخطاب. فما الذي تغيّر؟
سنفسر هذا في معالجات لاحقة. كل ما في الأمر أن آخر تجليات الرأسمالية المتأخرة (حكم اللصوص في الداخل، والفتوحات الاستعمارية في الخارج) تتخلّق الآن، على جناح الظاهرة الترامبية، في لحظة نزول الإمبراطورية الأميركية عن عرش القوة المهيمنة في العالم. وهي تمارس نهباً مزدوجاً في الداخل والخارج. وهذا ما لم تتخلّق لغته بعد، وما لا يجد من روافع سوى الكلام عن عودة أميركا إلى عظمة متوّهمة من ناحية، والسرقة الموصوفة العلنية والفاجرة في الخارج من ناحية ثانية. 
وفي الحالتين تبدو مفردات التعمير بضاعة أيديولوجية رخيصة ومبتذلة، وفائضة عن الحاجة بالتأكيد. فاصل ونواصل.