نشرت في 30 مارس 2026 11:04 ص
https://khbrpress.ps/post/428446
يكذب رئيس أميركا دونالد ترامب مرّة أخرى، كما تعوّد أن يفعل، يدّعي أن ما تقوم به قواته ضد إيران مجرّد معركة، أو عملية عسكرية، وليست حرباً، وذلك لأنه تجاوز صلاحياته الدستورية التي تشترط موافقة الكونغرس وتهيئة الرأي العام الأميركي.
ويكذب حين يدّعي أن حربه قد أدّت إلى تغيير النظام الإيراني، بينما كان يستهدف إسقاطه.
ادّعاؤه بتغيير النظام يتكئ على ادّعاءات نفتها إيران، بأنه نجح في تمكين مسؤولين هما وزير الخارجية ورئيس البرلمان، من أن يكونا مصدر القرار في إيران، وأنهما يتمتّعان بمرونة كافية للتعامل الإيجابي مع أميركا.
ويكذب حين يدّعي أنه يجري مفاوضات جاّدة وجدّية مع إيران بينما لم تتجاوز تلك المفاوضات المزعومة، وجود وساطة تنقل الرسائل، وإعلان إيران أنها تعلّق ردّها على النقاط الـ 15 التي قدّمتها أميركا.
حين تتجاوز الحرب شهرها الأوّل، فإنها تكون قد تجاوزت الإطار الزمني، وتتجاوز توقّعات ترامب الذي اعتقد أنها ستنتهي بسقوط النظام أو استسلامه بمجرّد اغتيال علي خامنئي ونحو 40 قيادياً وازناً.
الأهداف التي حدّدها الحلف الأمروإسرائيلي منذ البداية وبقي المسؤولون يردّدونها خلال الأيّام العشرة الأولى، تلك الأهداف تبدّدت، ما ترك ترامب ونتنياهو في حيرة من أمرهما، لا يعرفان كيف يواصلان الحرب، ولا يعرفان كيفية الخروج منها.
محاولات ترامب طمأنة الأسواق العالمية، ومنتقدي حربه في الداخل الأميركي، تنطوي على خديعة كبرى، إذ سيتبدّد استقرار الأسواق بسرعة، حين يتضح ألا مفاوضات، ولا توقّف للحرب، بل إن الأوضاع تتجه نحو التوسع والتصعيد.
الورطة التي يتخبّط بها ترامب جعلته يعلن مهلة يومين لإيران لكي تفتح مضيق هرمز، ثم حين لم يقع ذلك، مدّد المهلة خمسة أيام أخرى، ومرّة أخرى لم يتغير الواقع، فقام بتمديد المهلة عشرة أيام أخرى حتى الرابع من نيسان القادم.
هل كان ذلك من أجل استكمال حشد القوات التي تدّعي أميركا أنه يتم تحضيرها لعملية برية في مواقع إيرانية إستراتيجية، أم لمنح فرصة أوسع للوسطاء لكي يتمكن من تنشيط خط المفاوضات، عسى أن يحقق من خلالها ما فشلت حربه في تحقيقها أم أن الأمر ينطوي على خدعة؟
خلال كل المهل التي أعلن عنها ترامب، تصاعدت الحرب على نحو غير مسبوق، حيث جرى استهداف بنية تحتية مدنية وعسكرية ونووية إيرانية، وفي ظنّ ترامب أن رفض إيران لنقاطه الـ 15 وهو المتوقّع، سيجعله يحصل على تبرير لتصعيد الحرب.
مقابل هذا التصعيد الأمروإسرائيلي أعلن «الحرس الثوري» الإيراني أنه أسقط كل الخطوط الحمراء، ولم يعد يلتزم بمبدأ العين بالعين والسنّ بالسنّ، وأنه سيستهدف كل البنى التحتية لأميركا ودولة الاحتلال في المنطقة، وأطلق تحذيراً للمدنيين بأن يبتعدوا عن أيّ منشأة لأميركا في المنطقة بما في ذلك دول الخليج العربي.
في ظل الارتباك الأميركي، يواصل رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ألاعيبه لضمان استمرار الحرب العدوانية، ومحاولة تحريض دول الخليج على الانخراط فيها ومغادرة موقف الدفاع، يشاركه في ذلك ترامب الذي يدّعي أن دول الخليج شريك فعّال في حربه.
أكثر ما يخيف نتنياهو أن يتمّ التوصل إلى اتفاق من المؤكّد أنه لا يرضي شروطه وغروره، أو أن تضطرّ أميركا إلى وقف الحرب وتركه وحيداً.
وبالرغم من تحذيرات رئيس أركان جيشه إيال زامير من أن الجيش يعاني من انهيار، إلّا أن نتنياهو، يجد في انخراط أميركا في الحرب الفرصة الأخيرة لكيانه الكولونيالي، طالما أن ترامب على رأس البيت الأبيض.
وبالإشارة إلى اجتماع وزراء خارجية تركيا ومصر وباكستان والسعودية، فهو يشكّل استكمالاً للحلف الذي نشأ قبل الحرب بداية من العربية السعودية وباكستان، وكان ذلك في مواجهة التهديدات الإستراتيجية الإسرائيلية للأمن القومي السعودي.
حلفاء العربية السعودية الباكستانيون والأتراك يدركون أن هذه الحرب هي حرب الدولة العبرية للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط وتهديد النظام العربي، لذلك كان من غير المحتمل أن يدعم هؤلاء انخراط العربية السعودية في الحرب كما يريد كلّ من نتنياهو وترامب.
باكستان أعلنت خلال حرب الـ12 يوماً، دعمها لإيران، وإدانتها للعدوان الأمروإسرائيلي، وهي لذلك لا يمكن أن تقوم بأي عمل يخالف ذلك الموقف الذي كرّرته في هذه الحرب، بسبب إدراكها العميق لتداعيات وأهداف تلك، وهذه الحرب على المنطقة بأكملها بما في ذلك باكستان.
لذلك فالاعتقاد السائد، أن هذا الاجتماع الرباعي، سيسعى إلى تخفيض التصعيد، وتوجيه بوصلة الضغط على مرتكبي جريمة إشعال الحرب في المنطقة.
وإذ يكثر الحديث والعمل فعلياً عن سيناريوهات عمليات أمروإسرائيلية برّية، من شأنها أن تدفع الحرب إلى مستويات تصعيدية تبلغ حد كسر العظام، فإن بيد الوسطاء ورقة مهمة فمن يسعى إلى خفض التصعيد، يفترض ألا يرسل قوات، وأن يمتنع عن التخطيط لتأجيج الحرب عبر عمليات برّية.
الإيرانيون يظهرون استعداداً قوياً للتعامل مع مثل هذه السيناريوهات بل إنهم يجدون فرصتهم، لإيقاع أكبر عدد من القتلى في صفوف القوات المرتقب قيامها بعمليات برّية.
وفي هذه الأثناء يدخل «الحوثيون» على الخطّ، بما ينذر بتوسيع رقعة الحرب، بما يشمل إمكانية إغلاق باب المندب، وإحداث أضرار أكبر على الاقتصاد العالمي.
وفيما تصعّد أميركا ودولة الاحتلال حربهما على إيران ولبنان، والمنطقة عموماً، فإن إيران وحلفاءها، لا يظهرون أي مؤشر على ضعف، أو استعداد للاستسلام، ما يعني أن الحرب مستمرة ومتصاعدة دون أن يعرف أحد متى وكيف ستنتهي.
الكل فوق الشجرة ولا يجد وسيلة للنزول عنها، إلّا بمساومة أو مشهد ختامي يعطي لكل طرف مبرّراً لادعاء الانتصار، بينما تترك المنطقة لحراكات مختلفة، حتى لا تكون دولها ومصالحها ضحية لحروب الآخرين.