نشرت في 31 يناير 2026 11:13 ص
https://khbrpress.ps/post/426109
رغم ما يُروج عن تراجع مشروع التهجير من قطاع غزة ، تشير الوقائع السياسية والميدانية إلى أن التهجير لم يُسقَط ، بل جرى تأجيله وإعادة صياغته بآليات أكثر نعومة وتعقيدا ، تتقاطع اليوم مع المفاوضات الجارية تحت النار وتنفيذ التقسيم بالخطوط الملونة ، ومع المرحلة الثانية من خطة ترامب ، وترتيبات "اليوم التالي" لإدارة القطاع .
إسرائيل لم تتخل يوما عن هدفها الاستراتيجي القائم على تقليص الوجود الفلسطيني في فلسطين التاريخية ما بين البحر والنهر ، وتحقيق أغلبية يهودية ضمن نظام فصل عنصري استعماري إحلالي . ما تغيّر اليوم هو الأسلوب فقط ، فبعد فشل التهجير القسري المباشر خلال حرب الإبادة ، نتيجة الصمود الشعبي والحسابات الإقليمية والدولية ، انتقل المشروع إلى سياسة الإكراه والاضطهاد المباشر وغير المباشر من تدمير شامل ، إفقار ممنهج ، انهيار الخدمات وانسداد الأفق السياسي وتشكيل "لجان مستقلة جديدة" بالإضافة الى "اللجنة الوطنية لإدارة غزة "، بما يؤسس الى اشكال من الفوضى الجديدة ، ودفع قطاعات من شعبنا الفلسطيني إلى الهجرة بوصفها "خيار نجاة" أو "خيارا طوعيا"، لا بالقوة العسكرية .
أفكار ترامب وكوشنر حول "غزة الجديدة" تظهر اليوم بواجهة مختلفة . فالمرحلة الثانية من الخطة لا تقوم على إنهاء الأحتلال أو الإعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية ، بل على إدارة الصراع بما يخدم المصالح الأمريكية–الإسرائيلية ، عبر فصل غزة سياسيا وربط الإعمار بشروط أمنية وسياسية ، وفتح مسارات "تنظيمية" لحركة السكان تحت عناوين إنسانية تُخفي أهدافا ديمغرافية بعيدة المدى ، لخدمة مصالح الرأسمال والشركات الأمريكية .
وتكشف مسودة القرار المسرّبة "لمجلس السلام" أن ترامب سيترأس المجلس الذي يمنح لنفسه فيه سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية كاملة على غزة ، بما في ذلك "سلطات الطوارئ"، مع تغييب الفلسطينيين عن العضوية وحصر دورهم في لجان إدارية تحت إشراف ممثل أجنبي هو نيكولاي ملادينوف . المجلس يتحكم في القوانين والتشريعات والغائها، الموارد ، المعابر ، والإعمار ، ويحوّل الفلسطينيين إلى منفذين للقرارات الأمريكية–الإسرائيلية ، بلا تمثيل سياسي حقيقي ولا آليات مساءلة .
أما ما يُطرح من "مناطق إنسانية" و"ممرات حماية مدنية" وقوة تثبيت عسكرية دولية بقيادة أمريكية ، فلا يخرج عن كونه أدوات ضبط سكاني ، تُدار من خلالها الكارثة بدل إنهائها . فربط المساعدات وحرية الحركة والمشاركة السياسية بالامتثال للخطة يحوّل الحقوق الأساسية إلى أدوات ابتزاز ، ويجعل المعاناة وسيلة ضغط لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والسياسي للقطاع .
اللافت في هذا السياق هو المفارقة السياسية الصارخة التي تتمثل في ترحيب حركة "حماس" بما يُسمّى "مجلس السلام" واعتباره انتصارا سياسيا ، في مقابل تغييب السلطة الوطنية الفلسطينية الكامل عن عضوية المجلس ومساراته . ترحيب "حماس" يعكس قراءة قاصرة لطبيعة المجلس ، الذي لا يستهدف إنهاء الأحتلال أو رفع الحصار ، بل إعادة هندسة المشهد الفلسطيني بما يخدم مشروع الوصاية وتدوير السيطرة . أما تغييب السلطة ، فلا يعني تراجع دورها بقدر ما يعكس نوايا حصر أي عودة محتملة لها في إطار إداري منزوع الصلاحيات والسيادة ، ضمن نموذج "إدارة بلا سيادة"، يُفرغ التمثيل الرسمي من مضمونه السياسي .
ضمن هذا المشهد ، يتحول معبر رفح من شريان حياة إنساني إلى أداة سياسية وأمنية مركزية . فقد أُعلن مؤخرا أن عددا محدودا جدا من الفلسطينيين لا يتجاوز ١٥٠ شخصا ، سيُسمح لهم بالمغادرة يومياً بعد مراقبة أسمائهم من قبل الأحتلال الإسرائيلي والتقنية الالكترونية للتعرف على الوجوه ، وسيتم نقل العائدين الى غزة الى نقطة اسرائيلية لتفتيشهم والتأكد من الموافقة على دخولهم ، ما يعكس استمرار سياسة الإكراه والسيطرة المحكمة على الحركة . فربط فتح المعبر بهذه التفاصيل يثير تساؤلات جوهرية تتمثل في سؤال ، هل سيكون معبرة حدوديا فلسطينيا مصريا ؟ هو هو بوابة لإعادة الإعمار ، أم بوابة لهجرة تدريجية تُفرغ القطاع من سكانه والتحكم بمساره ؟ وهل يُعاد إنتاج فكرة "الخروج المؤقت" الذي يتحول عمليا إلى تهجير دائم ؟ إبقاء رفح أداة ضغط قابلة للتعطيل يعني إبقاء غزة في دائرة الأختناق ، وإبقاء التهجير خيارا مؤجلاً لا مُلغى .
وفي هذا الصدد ، لا يمكن تجاهل الموقف المصري الرافض لمشاريع التقسيم والكيانات الموازية ، الذي يعكس إدراكا بأن أي تهجير أو وصاية على غزة لا تهدد الفلسطينيين وحدهم ، بل تمسّ الأمن القومي لدول الجوار وفي مقدمتها مصر . وبالتوازي ، عبرت عواصم أوروبية مؤثرة عن تحفظات واضحة تجاه "مجلس السلام"، ورفضت منحه غطاءً سياسيا أو قانونيا لتجاوزه الأمم المتحدة والشرعية الدولية ، محذرة من أن تحويل غزة إلى سابقة للوصاية الدولية سيقوّض الأستقرار الإقليمي والأوروبي معاً .
وعلى صعيد الضفة الغربية ، تواصل إسرائيل التهويد والتوسع الاستيطاني فيها وحول القدس ، حيث شملت منذ أيام السيطرة على أراضي مطار قلنديا وهدم المحلات التجارية في شارع كفر عقب وتهديدات لإخلاء المواطنين ، ضمن مشروع استيطاني يهدف إلى ضم الأراضي وتوسيع المستوطنات حول القدس لتصل إلى حدود مدينة رام الله اضافة الى نشر عطاءات بناء الٓاف الوحدات الأستيطانية في منطقة العيزرية وقلع اشجار الزيتون في منطقة كفر مالك وحنوبي بيت لحم والخليل لتوسيع الطرق الأستيطانية ومحاصرة القرى الفلسطينية ، بما يؤكد استمرار مخطط تقليص الأراضي الفلسطينية وضمها وفرض السيطرة وترسيخ نظام الفصل العنصري على الضفة الغربية بالكامل لتدمير أي آفاق إن تبقت هنالك لاقامة دولة فلسطينية .
في المقابل ، تواصل واشنطن وتل أبيب سياسة كسب الوقت ، عبر افتعال خلافات شكلية ، تضخيم ملفات جانبية ، والحديث عن لجان تكنوقراط أو عودة للسلطة دون صلاحيات حقيقية ، فيما تُستكمل الوقائع على الأرض ويُمدد زمن المعاناة بانتظار لحظة الإنهاك التي تسعى لها دولة الأحتلال .
فالتهجير اليوم لا يُطرح كجريمة ، بل يُعاد تسويقه كحل إنساني لأزمة صنعتها إسرائيل نفسها . فما فشل الأحتلال في فرضه بالقوة ، يحاول تمريره عبر التفاوض والإنهاك والوصاية وتدوير شكل الأحتلال . وغزة ، في هذا المعنى ، ليست فقط ساحة حرب بل اختبار لإرادة الصمود والبقاء الفلسطيني وللمسؤولية الوطنية في مواجهة هذه التحديات كأخطر مشاريع منظمة لتصفية القضية بوسائل "ناعمة" ستتدحرج حتى الضفة الغربية بشروط وضغوطات مختلفة يحاول المشروع الامريكي الأسرائيلي انجاحها ، فيما الوقت يمضي بتسارع.