نشرت في 11 أغسطس 2026 11:01 ص
https://khbrpress.ps/post/433770
بعد أربعين يوماً على شنّه حربه بالشراكة مع إسرائيل، ورغم ما تحقق في الأيام الأولى من إصابة رأس النظام الإيراني في مقتل، وإلقاء آلاف الصواريخ الإستراتيجية الأميركية، وعشرات آلاف الأطنان من متفجرات القنابل، بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدرك أنه قد تورط في حرب ليست مضمونة النتائج، وهو كان يمني النفس، إن كان عن كامل قناعة ذاتية، أو بتغرير من الداهية المخادع الإسرائيلي، بأن يحقق ضربة ثانية بعد ضربة فنزويلا، وبذلك يحقق ما تحلم به أميركا منذ عقود، من تثبيت أركان نظامها الاستعماري العالمي، بضمان التفوق الاقتصادي على الصين، لعقود قادمة، دون أن تدخل معها في التنافس الإنتاجي، بل من خلال التحكم المباشر والتام بالطاقة العالمية، خاصة النفط والغاز، اللذين لا تنتجهما الصين، وتستوردهما من منطقة الخليج العربي بالتحديد.
كان التقدير الوحيد الناجح لترامب هو مدة الحرب، حيث حددها قبل أن يشنها بستة أسابيع، وهو خاضها لمدة أربعين يوماً، ويعود ذلك إلى أن تحديد موعد شنها ووقفها كان بيده، لكن الحرب لا تتحدد نتيجتها بمجرد إطلاقها ولا حتى بوقفها، ولكن بالخروج منها بتحقيق الأهداف التي شنت من أجل تحقيقها، وسرعان ما بدأ يتضح سوء تقدير ترامب وإدارته، حين بدأ التفاوض بعد وقف مؤقت للحرب جاء بعد الأربعين يوماً، وكان عبارة عن أسبوعين، وذلك حتى يفاوض تحت الضغط عملاً بشعاره الذي مضمونه «السلام بالقوة»، لكن إيران التي ردت على شن الحرب بالدخول فيها باقتدار ميداني، دخلت دائرة التفاوض بالجدارة نفسها، لذلك بدأ ترامب يتخبط، ويهدد بكل ما ينطوي على منطق مجرمي الحرب، من مثل تدمير الحضارة الإيرانية، ومسحها عن الخارطة، وها قد مضت أكثر من خمسة أشهر على يوم شن الحرب، ليس فقط دون الفشل في تحقيق أهدافها، ولكن دون أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبلها.
فإيران شعرت بالثقة، وهذا من حقها تماماً، بعد أن قارعت أقوى دولة عسكرية في العالم، مع أقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط، ولأن حبل الكذب قصير، فقد اعتمد ترامب على ما أحاط به لحظة دخوله البيت الأبيض من «تخويف ورعب» وكأنه «أم العالم الغولة»، فهو وأنصاره كانوا يظنون أنه يمكنه أن يفعل في العالم ما فعله في الداخل الأميركي، من تحقيق النتائج السياسية «بالتهويش» لكن وحتى قبل أن يصل إلى المحطة الإيرانية، باتت تهديداته لا تخيف أحداً، فهو هدد بإطلاق الجحيم على غزة و»حماس»، وهدد باحتلال غرينلاند، وهدد بالتعرفة الجمركية، وهدد كثيراً إيران طوال أشهر ما بعد الأربعين يوماً، حتى باتت تهديداته بالكاد تذكر في الإعلام العالمي، بل وصارت موضوعاً للتندر، كما وصف يوماً الشاعر جرير خصمه الفرزدق حين هدد بقتل مربع، فقال مقولته المشهورة «أبشر بطول سلامة يا مربع»، المهم أن إيران تجاوزت أولاً مرحلة الصمود الأولى، ثم مرحلة الرد، والتهديد مقابل التهديد، إلى مرحلة المبادرة ومن ثم فرض الشروط.
والحرب أفرزت مفرداتها التي لم تكن قبل إطلاقها، وكما كان حال تخصيب اليورانيوم، في ملف برنامج إيران النووي، الذي لم يكن موجوداً حتى العام 2018، حين تنصل ترامب بالذات خلال ولايته الأولى من اتفاق العام 2015، فكان أن ردت إيران على العودة لفرض العقوبات برفع درجة التخصيب، حتى وصلت درجة تخصيب 440 كغم من أصل 11 طن يورانيوم لديها إلى نسبة 60% القريبة من صنع السلاح النووي، كان حال مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً أمام الملاحة البحرية للتجارة العالمية، خاصة تجارة النفط والغاز، حيث يمر منه نحو خمس التجارة العالمية، وذلك نحو الشرق الأقصى، حيث الصين، كوريا واليابان، ونحو الغرب الأوروبي.
ظن ترامب أنه بمجرد وقف إطلاق النار، أو حتى وقف الحرب يمكن للأمور أن تعود كما كانت، وذلك على أسوأ تقدير، لكن الأمر لا يكون وفق الأهواء، والحرب ميدان نزاع، ومن يجد فرصته في أمر ما يتشبث به، وقد وجدت إيران التي دفعت ثمناً غالياً في الحرب، وخلال عقود العداء مع إسرائيل وأميركا، فرصتها في هرمز، لذلك فإن السؤال اليوم لم يعد كيف ومتى تتوقف الحرب، وقد باتت الحرب بعد آخر فصولها، ونقصد القصف لمدة 13 يوماً، لمدن وأهداف إيران الجنوبية، أو المتاخمة لمضيق هرمز، تسعى لتحقيق هدف وحيد، هو فتح المضيق الذي كان مفتوحاً أصلاً، قبل إطلاق الحرب في الثامن والعشرين من شباط الماضي.
لن نعيد هنا تكرار الكلام الذي أكدته الوقائع، والذي يثبت بشكل قاطع أن كل ما أعلنه ترامب ونتنياهو من أهداف للحرب قد تبدد في الهواء، وذلك بعد أن بات ترامب يريد فقط تحقيق هدف وحيد، هو فتح مضيق هرمز وذلك لخفض سعر برميل النفط، الذي ارتفع من نحو 60 دولاراً للبرميل قبل الحرب ليصل في بعض أوقاتها إلى 120 دولاراً، وهذا يعني تضخماً اقتصادياً أميركياً، يجد ترجمته في صناديق الانتخابات النصفية، التي باتت على الأبواب، كما باتت على الأبواب قبلها انتخابات الكنيست الإسرائيلي، وعلى كلا الجانبين تشير استطلاعات الرأي، بشكل شبه مؤكد، إلى خسارة كل من نتنياهو وترامب نتائج الانتخابات في بلدَيهما، وذلك نتيجة الفشل الذي لحق بهما من شن الحرب في الشرق الأوسط.
وكما يقول المثل الشعبي في بلادنا، إن مجنوناً ألقى حجراً في البئر، احتاج الناس إلى مئة رجل لإخراجه، أي إخراج الحجر، تعبيراً عن سهولة توريط المجنون «عشيرته» أو حزبه أو جماعته أو حتى دولته في وحل الفشل، لتحتاج تلك الدولة أو العشيرة إلى العديد من العقلاء للخروج من ذلك الوحل، وفعلاً استعانت أميركا منذ ما بعد الأربعين يوماً بمن يمكن اعتبارهم العقلاء في البيت الأبيض، يتقدمهم جي دي فانس، ليس لأنه أقل تطرفاً أو عنصرية من رئيسه، بل بسبب طموحه في رئاسة البيت الأبيض عام 2028، وهو يرى التحول السياسي العالمي، وحجم المغامرة الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وانعكاس ذلك التحول على الداخل الأميركي نفسه، الذي بدأ في إحداث تحوّل جذري في الحزب الديمقراطي.
ومنذ أكثر من شهر، يمكن القول: إن الحرب قد انتهت بشكلها الواسع، مع وثيقة التفاهم، التي حاولت أميركا أن تخدع عبرها إيران، فما إن تفتح مضيق هرمز، حتى تتنكر لتنفيذ باقي بنودها، خاصة تلك المتعلقة بالإفراج عن أموال إيران، أو الخاصة برفع العقوبات وفك الحصار البحري، لكن إيران بحكم تجربتها مع أميركا في أكثر من اتفاقية سابقة، أفشلت الخديعة الأميركية، فحاولت أميركا أن تحل معضلة تحكم إيران بالمضيق من خلال الاتكاء على عُمان، وفتح مسار جنوبي محاذٍ للشاطئ العماني، وذلك أيضاً برفقة قطعها البحرية، لكن إغلاق المضيق تكفيه حالة التوتر فضلاً عن الألغام، يضاف إلى ذلك تشبث إيران به لتحقيق أكثر من هدف، تعوضها عما خسرته خلال هذه الحرب، وخلال كل الفترة السابقة من حجز أموالها وفرض العقوبات الأميركية والدولية عليها، وحصارها.
أما آخر ما فرضته إيران على أميركا فهو النجاح في التفاوض الثنائي مع عُمان، وهذا ما كانت تقول به منذ بداية الحرب، وآخر ما تقول به: إن الاتفاق هو مع عُمان، والذي يؤكد الإدارة الثنائية حصراً للدولتين، ما يعني الأهم وهو إخراج أميركا من دائرة النفوذ على ممر التجارة العالمية، وأن الاتفاق مع عُمان لا يعني فتح المضيق تلقائياً، لأن حرية الملاحة مرتبطة بإنهاء حالة الحرب، وفك الحصار، وخروج القطع الحربية الأميركية من مياه الخليج.
بنتيجة الحرب، تأكدت سيادة إيران شبه الوحيدة على مضيق هرمز، وهي بذلك تكون ألحقت هزيمة منكرة بأميركا التي يرتكز نظامها العالمي على ممرات التجارية البحرية العالمية بدرجة كبيرة جداً، وبعد أن ألحقت الحرب ضرراً مباشراً بكل القواعد الأميركية في الشرق الأوسط، فإن ملف تفكيك هذه القواعد، وما يمكن أن يجره من انسحاب فعلي لأميركا من المنطقة، قد بات وارداً، وربما يكون مطروحاً على طاولة الانتخابات الأميركية، ولعل إعلان مكة الأمني بين العربية السعودية وتركيا وباكستان دال على هذا المنحى، ما يؤكد أن القواعد الأميركية فشلت في حماية الخليج.