نشرت في 09 مايو 2026 10:35 ص
https://khbrpress.ps/post/430074
زيارة ثانية يقوم بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين منتصف الشهر الجاري، بعد الزيارة الأولى التي حدثت قبل ثمانية أعوام، والتي وصفت حينذاك بزيارة دولة تاريخية، وحظي فيها ترامب باستقبال خاص ومراسم استثنائية.
الجولة المرتقبة تأتي في وقت يشهد فيه العالم غلياناً، على خلفية الحرب بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، وفي خضم حرب مستنزفة بين روسيا صديقة الصين، وأوكرانيا المدعومة من الولايات المتحدة والغرب الأوروبي.
كذلك تأتي على خلفية الحرب المستعرة بين الطرفين الأميركي والصيني بسبب الحرب التجارية التي بدأتها واشنطن عام 2018 بفرض رسوم جمركية بمليارات الدولارات على واردات صينية، وما استتبعه من توسيع الحرب التجارية وشمولها التكنولوجيا وسلاسل التوريد والاستثمارات والتنافس الجيوسياسي.
الحرب على إيران وكذلك الحرب التجارية مع الصين، أضعفت إدارة ترامب إلى درجة أن استطلاعات الرأي أظهرت أن نسبة التأييد للرئيس الأميركي تراجعت إلى 34%، وأن هذه الشعبية في تراجع بسبب تأثير الملفات المذكورة أعلاه على الاقتصاد الأميركي وارتفاع التضخم.
يضاف إلى ذلك أن حزب ترامب الجمهوري مقبل على الانتخابات النصفية بعد ستة أشهر من الآن، وهي مهمة جداً لأنها ستقيّم شعبية الرئيس الأميركي وستكون بمثابة استفتاء على سياساته. وثمة تعويل على تحقيق إنجازات سريعة لمنع تآكل شعبيته قبل هذه الانتخابات.
هذه الأسباب تجعل ترامب يبدي اهتماماً كبيراً لزيارة الصين، إذ من غير المتوقع أن ينتهي هذا الصراع البارد بين البلدين، ولن تتوقف الحرب التجارية بينهما بسبب الزيارة، وكل ما يحصل هو سعي لإدارة التنافس بين الطرفين وتهدئة مؤقتة للأوضاع.
أسعار النفط متذبذبة وتتجه للارتفاع، وتنعكس بقوة على سلاسل التوريد والإمداد، وهذا يؤثر على اقتصاد الدول بما فيها الولايات المتحدة التي تعاني من ارتفاع متدرج في الأسعار، وكذلك الحال بالنسبة للصين التي تأثرت هي الأخرى بأزمة الطاقة.
زيارة ترامب تأتي لكل هذه الأسباب، بالإضافة إلى أنه قد يدعو الصين للتدخل في الملف الإيراني بإقناع طهران القبول باتفاق يجنب استكمال الحرب، وكذلك يمكن القول: إن لبكين مصلحة من هذه الزيارة لفتح ملفات أخرى تستهدف منع تصعيد اقتصادي أكبر، وتحقيق استقرار في الأسواق العالمية.
وتدرك بكين أن ترامب يحاول استثمار هذه الزيارة لتعزيز فرصه السياسية وتحقيق إنجاز اقتصادي ودبلوماسي وتسويقه داخلياً، وقد لا تحرمه من هذه الفرصة لأنها أيضاً تريد استثمار الزيارة لمنع الوصول إلى حرب اقتصادية شاملة.
لكنّ هناك اختلافاً في الأولويات حقيقةً، إذ يجد الرئيس الأميركي نجاحه الكبير في الوصول إلى اتفاق مع إيران يلبي تطلعاته ويمنع من انفجار أسعار الطاقة، بينما لا تجد الصين وقف الحرب على إيران أولويةً كبرى، على عكس اهتمامها أكثر بمسألة خفض التصعيد الاقتصادي مع واشنطن والسماح لها بتصدير السلع والمنتجات الصينية.
والسبب أن بكين فعلاً تتأثر بارتفاع أسعار النفط، لكنها ترى في الانشغال الأميركي بمنطقة الشرق الأوسط ميزة تدفعها للتركيز على بحر الصين الجنوبي، وتعزيز نفوذها هناك لأنها المنطقة الإستراتيجية الأكثر حساسيةً لها أمنياً وجيوسياسياً.
وهذا قد يدفعها لتجنب الحديث عن تايوان الملف الذي يعتبر جوهر الخلاف مع واشنطن، وكذلك الحال بالنسبة للرئيس الأميركي الذي يريد أن يخرج من بكين منتصراً أمام شعبه، ولذلك قد يُعوّل على تحقيق إنجاز اقتصادي سريع ويتجنب ما يمكن أن يوتّر أجواء النقاش.
ومثلما يحاول تحقيق أعلى قدر من الدعاية لنفسه وبلده، ستستغل بكين هي الأخرى هذه الزيارة للدعاية لنفسها على أنها قوة عالمية لا يمكن القفز عنها، وقادرة على التنافس والحوار مع خصومها، وقادرة على حماية مصالحها الإستراتيجية.
بصرف النظر عن نتائج هذه الزيارة المرتقبة، فإن العلاقات بين البلدين تسير في إطار تنافسي أكثر من كونه إطاراً تعاونياً، خصوصاً أن الولايات المتحدة تجد في الصعود الصيني تهديداً لعرشها، لكنها تفضل إدارة هذا التنافس بطريقة النفَسْ الطويل.
في المقابل، تدرك الصين أن جولة ترامب مجرد «استراحة مقاتل»، تهدأ اليوم لكنها قد تنفجر في الغد القريب، لذلك هناك فهم صيني للتحركات الأميركية، واقتناع بأن الساعة لم تحن بعد لوضع حد لهذا التنافس، والتعويل على عامل الوقت.
نعم التنين الصيني يعمل بصمت، ويوظف كل إمكاناته وطاقاته للتحول السريع نحو امتلاك التكنولوجيا المتقدمة التي سيسخّرها بذكاء في مختلف تصنيعاته، خاصة العسكرية، وحينذاك ستختلف شكل المواجهة مع واشنطن، لكنها مقبلة لا محالة.