بقلم حسن خضر

تـغـيـيـر الـنـظـام...!!

نشرت في 07 يوليو 2026 10:51 ص

بقلم حسن خضر

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/432307



 

صدر «تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبراطورية لدونالد ترامب» في أواخر حزيران الماضي. الكتاب لماغي هابرمان وجوناثان سوان، وهما من العاملين في جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية، التي تمثل، بدورها، قلعة سياسية وأيديولوجية لتيارَي الوسط، ويسار الوسط، في النخبة الليبرالية السائدة. وفي هذا الصفة ما يعني أن مجرد تمثيل الجريدة يوفر امتيازات مهنية كثيرة للعاملين فيها، ويضفي على تحقيقاتهم وتعليقاتهم أهمية استثنائية، علاوة على استفادة النخبة نفسها من صفحات الجريدة، ومراسليها، في خوض صراعاتها، وتصفية حساباتها، وتبادل اللكمات غير القانونية تحت الحزام. 
وينبغي أن نذكر، هنا، أن ماغي هابرمان نشرت كتاباً بعنوان «رجل الثقة: صناعة دونالد ترامب وتفكيك أميركا» قبل أربع سنوات، مع ملاحظة أن عبارة Confidence Man التي عنونت بها الكتاب المذكور تعني بالدارجة الأميركية البائع الماهر، الذي يخدع الزبون بعدما ينجح في اكتساب ثقته. ولعل «النصّاب» بالعربية أقرب الترجمات المحتملة للعنوان. على أي حال، عملت هابرمان مراسلة في البيت الأبيض، وهي وجه مألوف على شاشات المحطات الإخبارية الأميركية، كلما تعلّق الأمر بدونالد ترامب.
نشرت «نيويورك تايمز»، في معرض الدعاية للكتاب وتسويقه، قبيل نزوله إلى الأسواق، مقتطفات تركّزت حول الحرب على إيران في شباط الماضي. وقد ضربت، بهذا المعنى، أكثر من عصفور بحجر واحد. حققت سبقاً صحافياً، بالكشف عمّا أحاط بقرار الذهاب إلى الحرب من ملابسات، وما أسفرت عنه من تداعيات من ناحية، وزوّدت شرائح واسعة من النخبة الأميركية السائدة، والمُعارضة للحرب، بشهادة موثّقة عن تدني كفاءة ترامب وخدمته لمصالح قوة أجنبية من ناحية ثانية. 
وبما أن المقتطفات التي نشرتها الجريدة، كانت تلك الخاصة بنجاح نتنياهو، الإسرائيلي، في «إقناع» ترامب، الأميركي، بمشاركته في حرب على إيران تستهدف تغيير النظام، فقد تولّد لدى الناس انطباع عام بأن «تغيير النظام» الوارد في العنوان يعني تغيير النظام الإيراني. 
ولا يكفي، في الواقع، القول: إن هذا الانطباع خاطئ تماماً، بل يجب القول: إن التغيير المقصود في العنوان يطال النظام الأميركي نفسه، كما أن مضمونه يتمثل في التدليل على نجاح ترامب، في السنة الأولى من عمر ولايته الثانية، في إحداث تغييرات بنيوية عميقة عطّلت الكثير من كوابح الانقلاب على النظام الديمقراطي، ووضعت علامات استفهام جدية حول مستقبل الديمقراطية الأميركية.
لا يمكن التقليل من أهمية وضرورة الكلام عما أحاط بشن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية غير المشروعة على إيران من ملابسات، وما يتصل بها من تداعيات. ومع ذلك، فإن اختزال الكتاب في هذا الجانب، بالذات، يأتي على حساب مرافعته الرئيسة، أي نجاح ترامب في تغيير النظام الأميركي نفسه، مع ملاحظة أن التركيز على هذه المرافعة لا يقلل من أهمية مسألة الحرب، بل يضعها في السياق الأهم للصراع على هوية ومستقبل النظام السياسي، والعقد الاجتماعي، في الولايات المتحدة، وكيف فرضت قوة أجنبية نفسها على هذا وذاك.
على أي حال، ستكون لدينا وقفة مع هذا الأمر في معالجات لاحقة. وما يعنينا، الآن، أن هابرمان وسوان قد مهّدا للكلام عن «تغيير النظام» بالقول: إن فشل ترامب في انتخابات 2020 قد منحه أربع سنوات من التفكير في كيفية تفادي ما وسم ولايته الأولى من «ثغرات»، وتحصين الولاية الثانية بإجراءات وسياسات تضمن إخضاع الحكومة الفيدرالية، وتنفيذ الأجندة السياسية والأيديولوجية لمموليه، وتفكيك النخبة الحاكمة والسائدة، والتربّح من السلطة بطريقة مكشوفة، وبالمعنى الشخصي الضيق للكلمة، والثأر من أعدائه وخصومه في عالم السياسة والمال والترفيه.
ولعل أهم «الثغرات» التي أغلقها في ولايته الثانية أنه لم يبق على أحد من «البالغين» في البيت الأبيض، والحكومة. مفردة «البالغين» مأخوذة من زمن ولايته الأولى التي شهدت وجود عدد من أصحاب الكفاءات السياسية العسكرية والاقتصادية، وقد كان في وسع هؤلاء أن يكبحوا جماحه. لذا، السمة السائدة لدى العاملين في البيت الأبيض، والحكومة، في زمن ولاية ترامب الثانية، هي الخضوع التام، والانتهازية، وانعدام الكفاءة. لم يحلم أحد من هؤلاء بالوصول إلى البيت الأبيض في يوم ما. ولن يجد أغلب هؤلاء مكاناً لهم في سوق العمل بعد نهاية العهد الترامبي.
يبرز ستيف ميللر بين هؤلاء بوصفه الأهم والأكثر نفوذاً في الإدارة الترامبية. ميللر شخص عُصابي (باعتراف ترامب نفسه) تتملكه نزعات فاشية صريحة، وهو القوة الدافعة وراء ملاحقة المهاجرين غير الشرعيين، وحملات الاعتقال والترحيل، ونشر الحرس الوطني في المدن، والتحريض على «المسلمين» والسود والمثليين، ناهيك عن محاولة الانقلاب على منجزات حركة الحقوق المدنية الأميركية في الستينيات، بما فيها تمكين السود والأقليات في الوظائف وسوق العمل.
يخلو كتاب هابرمان وسوان من التأملات النظرية. ولا يطرح أسئلة من نوع: كيف نجح ترامب بكل نواقصه البادية للعيان، والمعترف بها، حتى من جانب أكثر أنصاره حماسة، في الوصول مرتين إلى البيت الأبيض، وتمكّن خلال عام من ولايته الثانية من تغيير أميركا بهذا القدر من السرعة والسهولة؟ 
لن نعثر على إجابات واضحة، هنا، ولكن إذا شئنا العثور على قرائن وشواهد، ففي الكتاب ما يفي بالغرض ويزيد. فاصل ونواصل.