نشرت في 22 يونيو 2026 02:00 م
https://khbrpress.ps/post/431791
السكينة والأمان هما مطلب المواطنين المُلحّ في ظروف استثنائية فرضتها الحرب على حياة المواطنين في غزة، حيث تركت الحرب ندوبًا جمّة على مجتمع بحث طويلًا عن الأمان، لكنه كان بعيد المنال عنه.
موضوع الاختفاء والفقدان ليس وليد اللحظة، فكم هي القصص المرعبة لآلاف الأشخاص الذين فُقدوا في أماكن نزوحهم وسكناهم، وبين ركام منازلهم، وفُقدت آثارهم حتى كتابة هذا التقرير.
لكن الغريب في الأمر أن تجد القصص المروية على أرض الواقع لأطفال يتقاربون في السن والظروف، تتشابه قصصهم إلى حد لا يوصف، فيتبادر إلى أذهان من يسمعها أن هناك عصابات وراء اختفاء هؤلاء الأطفال، فيشتد الأمر سوءًا وخوفًا وقلقًا عند ذويهم الذين فقدوا كل وسائل البحث الممكنة والعوامل المساعدة في البحث عنهم، فلا الأرض أصبحت ملكهم، ولا العوامل الأخرى كالعناصر الشرطية موجودة بالفعل على أرض الواقع، فلا يملكون سوى أدوات بسيطة للبحث عن أطفالهم تتمثل في المقربين منهم وفي وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت وجهتهم للبحث عن أطفالهم.
جلال وقصة الاختفاء ورحلة الألم
جلال ابن الثمانية أعوام، وهو طفل الزميل الصحفي أحمد البرش، اختفى في ظروف غامضة، لا يمكن أن يستوعب العقل البشري أن يمتد اختفاؤه ساعات ثم يعود إلى حضن أمه، ولكنه اليوم مرّ على اختفائه أكثر من عشرين يومًا ولم يعد.
يخبرنا والده عن ظروف اختفائه، فيبدأ حديثه بالقول: "عيني ستبيض من البكاء حزنًا على ابني، فما زلت أنتظر عودته في كل لحظة، أشعر بحزن شديد، لم أذق للحياة طعمًا منذ غاب عن عيني، وكل لحظة أتذكره فيها، كيف لا وهو قرة العين ونبض الفؤاد؟ جلال كان ابني المدلل المتعلق بي حد الجنون، كان ينتظرني كل يوم حتى أعود من عملي ليجلس في حضني، لا يمكن لي أن أعيش لحظة من دونه".
ويكمل حديثه لوكالة خبر: "يوم فقدانه كنت في العمل، اتصلت بي والدته لتخبرني أن جلال اختفى وغير موجود، بعد أن كان يلعب مع إخوته قبل لحظات في الخيمة المقامة في منطقة بئر النعجة غرب جباليا شمال القطاع، فتركت عملي وعدت مسرعًا، ولأن ظروفنا الحالية لا تسمح لنا باقتناء وسيلة مواصلات خاصة، وحتى العامة كانت صعبة للغاية، اضطررت للعودة مشيًا على الأقدام في الطريق الذي يمكن أن يكون ابني قد سلكه، لعل وعسى أن أجده بالطريق وأعيده معي إلى البيت، لكنني لم أجده، ووصلت إلى الخيمة لتخبرني والدته أن ابني كان أمام ناظريها ولم يغب لحظة عنها، لكنه بلمح البصر اختفى".
يُذكر أن الطفل جلال مصاب بطيف التوحد، وهو طفل طبيعي كغيره من الأطفال، ولكنه فاقد للنطق ولا يستطيع أن يُعرّف عن نفسه فيما لو سأله أحد ما عن اسمه وكنيته.
ويواصل: “لم أترك مكانًا واحدًا إلا وبحثت عنه فيه، مراكز الإيواء، المستشفيات، المناطق الشمالية، حتى إنني توجهت نحو الشرق وتتبعّت أثره وسألت الناس في طريقي، وأخبرني بعضهم أنهم رأوه متجهًا نحو الشرق لمناطق جباليا، وهذه المناطق خاضعة لسيطرة الاحتلال، والتجول بها يشكل خطرًا على الكبار والصغار”.
وتساءل أحمد: "فيما لو أن ابني قد تم استهدافه، فهل يعقل أن لا أحد قد عرف بأمره؟ وهل يعقل أن الصليب الأحمر لم يُبلّغ من قبل الاحتلال عن وجوده أو تسليم جثته؟ لأنني أعرف ابني جيدًا، وأعرف أنه لا يمكن أن يتجول بعيدًا عن الخيمة أو بعيدًا عني وعن والدته. يتبادر إلى قلبي الشك والخوف في آن واحد، ويراودني شعور بأن ابني لم يعد حيًا بعد اليوم، ربما قُتل، وربما وقع في بئر، وربما تم قنصه، أو اختبأ من صوت الرصاص في إحدى البيوت المهدمة وتوقف قلب طفلي من شدة الخوف. تلك المخاوف والتساؤلات لم تفارقني لحظة، الشك بأن ابني قد توجه لوحده بعيدًا عن مكان نزوحنا، واليقين بأن الله سيرحم قلوبنا ويعيده لنا سالمًا".
"لم يكلّ ولم يملّ من البحث عنه"
يقول أحمد: "مر أكثر من عشرين يومًا على اختفاء جلال، ولم أيأس من البحث عنه. أذهب يوميًا إلى مناطق الشرق والشمال والجنوب، ويساعدني الأقرباء أحيانًا في البحث عن فلذة كبدي. أتجرع مرارة الألم والحسرة كل يوم، لدرجة أنني أشتم رائحته من ملابسه وأحضنها لأشعر أنه ما زال معي وفي حضني، وها أنا أخاف من لحظة أن يصبح جلال ذكرى ورقمًا من ضمن آلاف الأرقام التي فُقدت في الحرب ولم يتم العثور عليهم، وحتى على رفاتهم. أخاف من فكرة الفقدان نفسها، لكنني أدعو الله أن أجد خيطًا يدلني عليه، سواء كان حيًا أم ميتًا".
ووجّه والد جلال نداءً عاجلًا لكل الأحرار من أبناء شعبنا أن يساهموا في البحث عن طفله وعن الأطفال الآخرين، ويساعدوا ذويهم في معرفة مصيرهم في ظل غياب دور الشرطة في غزة للبحث عنهم، وتحري الصدق في نقل المعلومة أو الاتصال عليه، وعدم إخباره بأخبار مفبركة أو زائفة. وعلى من وجده في أي مكان أن يتواصل معه مباشرة، فربما يكون خيط أمل لعائلة انفطر قلبها على ابنها الصغير.
دقائق على اختفائه امتدت لثلاثة أشهر
محمد عبد الودود غبن، ابن الثلاثة أعوام، الابن الذكي كما وصفته أمه، اختفى قبل ثمانين يومًا من أمام خيمة والده في تل الذهب شمال القطاع. تخبرنا والدته عن ظروف اختفائه، وكيف يمكن لهذه القصة أن تشبه سابقتها في المضمون والنتيجة.
تقول أم محمد: "يوم اختفائه كان يلعب ابني مع إخوته أمام ناظري، وفجأة جاءني راكضًا يطلب مني أن ينام في حضني. كان وقتها ليس موعدًا للنوم، استغربت طلبه، لكنني أخبرته أن يعود للعب مع إخوته ريثما أعود من مشوار قصير في المنطقة سأنجزه وأعود إليه لينام في حضني. فاستجاب لي وذهب بنفس السرعة التي أتاني بها وغاب، لكن طلبه لم يغب من بالي، وقلبي لم يعد مرتاحًا منذ لحظة طلبه. مرت دقائق بسيطة وناديت على أخته أن تلقي نظرة على أخيها، فجاءتني لتخبرني أن أخاها غير متواجد في المكان. ولأن قلبي كان غير مطمئن، قمت مسرعة أركض يمنة ويسرة أبحث عنه وأسأل الجيران، منهم من أخبرني أنهم شاهدوه في المنطقة، ومنهم من لم يره وجنّد نفسه للبحث عنه معي. مرت الدقائق الطويلة والساعات الواحدة تلو الأخرى، لكن بحثنا عن ابننا باء بالفشل. لم أجد أي وسيلة للبحث عنه إلا وطرقتها، ونشرت صورته عبر وسائل التواصل الاجتماعي لكي يسهل علينا إيجاده، فربما وجده أحدهم وظل عنده ريثما نعلن عن اختفائه، ومن ثم يتواصلون معنا."
وتؤكد الأم أن المنطقة التي يقطنون فيها خالية من أي مشاكل أو عناصر مسلحة، حتى إنهم ليس لديهم أي عداوات، (ناس غلابة وما عندنا مشاكل مع حدا) على حد تعبيرها.
تتابع: "وردتني اتصالات كثيرة، بعضها يخبرني بأنهم شاهدوا ابني في منطقة ما، وأخرى يخبرونني فيها أن ابني موجود عندهم، فأركض مسرعة إلى المنطقة التي يخبرونني أن ابني موجود بها، لكنني حين أصل أتفاجأ أنه ليس هو، فأجرّ إحساس الهزيمة والوجع معي أينما ذهبت، وأعود لأتشبث بأمل لقائه من جديد".
تُخبرنا الأم عن إحساسها وتقول: "أنا كل يوم أموت ألف مرة، كل ليلة أفرش فراشه وكأنني أنتظر دخوله عليّ ليخبرني: (يما أنا رجعت)، لكنه لم يرجع، وصوته لم يأتِ بعد. قلبي متعلق به، وأشعر بأنه ما زال على قيد الحياة، قلبي يخبرني بذلك، إحساس الأم لا يُكذَّب."
تواصل حديثها: "مر على اختفاء ابني ذكرى ميلاده الذي جاء بتاريخ 21/4 وهو غير موجود، دخل ابني عامًا جديدًا من حياته وهو غير موجود، لا أعرف إن كان ميتًا أم حيًا".
ابني مخطوف وليس مفقودًا
وبالعودة للحديث عن يوم اختفائه، لفتت الأم إلى أنها تشك بأن ابنها تم خطفه من أمام الخيمة، تقول: "لا يعقل أن يختفي فجأة ولا نجده، حتى وإن ابتعد عن المكان، وهذا مستحيل، فهو لم يعتد الابتعاد عني وعن إخوته. لم يمر على فقدانه سوى عشر دقائق ونحن افتقدناه وبحثنا عنه، بمعنى أنه لو سار باتجاه الشمال أو الجنوب أو أي منطقة من التي بحثنا عنها، لا يعقل لطفل بمثل عمره أن يبتعد كثيرًا، ولا يعقل أن يسير مسافات طويلة بعشر دقائق فقط، لذلك فكرة اختطافه تراودني كثيرًا، وأقولها بكل يقين: إن ابني مخطوف وليس مفقودًا".
وطالبت الأم كل الضمائر الحية والمسؤولين، كلٌّ في موقع مسؤوليته، أن يكون عند مسؤولياته، ويساهم في البحث عنهم وإيجاد الإجابات لكثير من التساؤلات التي تحيط باختفاء العديد من الأطفال.
جدير بالذكر أن مواقع التواصل الاجتماعي تضم صفحات ناشطة جدًا في نشر قصص الفقدان لأطفال لم يجد ذووهم طريقًا سوى هذا الطريق، بعد أن أُغلقت جميع الأبواب في وجوههم لإيجاد ضالتهم. منهم من حالفه الحظ ووجد ضالته، ومنهم من بقي يتجرع مرارة الألم والحسرة على فقدان عزيز عليه، كاختفاء الطفل مصطفى اللحام المفقود منذ أكثر من خمسة أشهر، وهو يعاني من طيف التوحد، ولا يستطيع النطق أو التعريف عن نفسه وكنيته.
ويبقى السؤال المطروح: “هل نحن أمام أيام صعبة وظروف مشابهة لاختفاء مزيد من الأطفال؟ وهل يعقل أن تكون هناك عصابات منظمة تقوم باختطاف الأطفال في ظل غياب القانون وغياب الأمن المجتمعي في مجتمع أنهكته الحرب بكل جوانبها؟”.
الأيام القادمة ربما تكون كفيلة بالإجابة عن تلك التساؤلات ومعرفة مصير هؤلاء الأطفال وغيرهم.