الكاتب: عبد المجيد سويلم

حرب الحسابات المتهوّرة

نشرت في 02 مارس 2026 12:00 ص

الكاتب: عبد المجيد سويلم

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/427240



 

دعونا نَعُدْ قليلاً إلى الوراء.
كان معروفاً أنّ قرار الحرب على إيران ينطوي على حسابات دقيقة ومدقّقة لعشرات المرّات، إن لم نقل مئات المرّات. وكان معروفاً، أيضاً، أنّ قرار الذهاب إلى هذه الحرب بتقديرات استخبارية، وبقدرات عمليّاتية على تنفيذها هو شرطها الأوّل. وكانت الرهانات على «قصّ الرؤوس» كعملية واحدة من أهمّ العمليات في هذه الحرب، وكانت إسرائيل تحاول التسريع بها قبل «فوات الأوان». 
وكانت الإدارة الأميركية مقتنعةً أشدّ القناعة بأن الحرب آتية لا ريب فيها لاعتبارات إستراتيجية أميركية، ولم يكن العائق سوى ضمانة أعلى درجة من النتائج، وبأسرع ما يمكن، وبأقلّ الخسائر بقدر ما هو ممكن.
واضح الآن بعد النجاح فائق الأهمية، وفائق «الإبهار»، أيضاً، وفائق القدرة الاستخبارية والعمليّاتية أن قرار الحرب قد تمّ اتخاذه في ضوء كل هذه المعطيات.
سيقول قائل: أين هي الحسابات الأمروإسرائيلية الخاطئة طالما أن «قص الرؤوس» قد تمّ بنجاح كبير، وبما يفوق كل توقع مسبق؟ 
هذا سؤال مشروع وموضوعي، ولا ينمّ عن عداء أو شماتة أو تشكيك مبدئي بالضرورة، وإنّما هو في صلب محاولة فهم ما جرى، واستيعاب ما يمكن أن يجري، أو هكذا يفترض.
بل وأكثر من ذلك، فإن هذا السؤال ليس مطروحاً بالضرورة من قبل أعداء إيران، ومن قبل من هم من «المحايدين»، أو المتعاطفين مشاعرياً معها من موقع عدائها لأميركا وإسرائيل، ومن موقع استهدافها على مدى سنوات طويلة، وإنما هو مطروح، أيضاً، ويجب أن يكون مطروحاً من الحلفاء المباشرين لها. ومن القوى والمنظمات والدول المؤيّدة والداعمة لها، والمستعدّة لمساندتها والانخراط المباشر بالدفاع عنها.
وفي الإجابة عن هذا السؤال تكمن حقيقة ما جرى، وحقيقة ما يجري، وما هو متوقّع أن يجري في قريب القادم من أيام هذه الحرب.
ليس صحيحاً أن الإيرانيين قد أُخذوا على حين غرّة، أو أنهم خُدعوا، أو لم يتعلّموا من دروس مقتل قادة «حزب الله» اللبناني، خصوصاً اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله، وإنما علينا أن نعترف بأن التفوق الجوّي الأمروإسرائيلي هو مطلق، والتفوق الاستخباري والتقني العمليّاتي هو مطلق، أو شبه مطلق على أقلّ تقدير، وأن إيران في ظروف العقوبات والحصار قد بنت إستراتيجية مواجهتها من على هذه القاعدة، وفي ضوء حقائقها بالذات، وأنها قد اعتمدت بصبر وأناة الصناعة الصاروخية في مواجهة هذه المعادلة بالذات، وهي في الحقيقة لم تكن لديها خيارات كثيرة إذا أرادت ــ وهي أرادت فعلاً ــ أن تحافظ على وجود الدولة الإيرانية، والنظام السياسي فيها، بصرف النظر عن رضا المحيط كلّه، وبصرف النظر عن رضانا، أو رضا غيرنا عن هذا النظام.
كما علينا أن نعترف بالمقابل، بصرف النظر عن رأينا، ورأي غيرنا، في هذه القضية أو تلك، وإلى هذه الدرجة أو سواها، وإلى هذا القدر أو ذاك، بأن الدولة الإيرانية هي الدولة الوحيدة في العالم من خارج الدول العظمى، ومن خارج الدول النووية التي استطاعت بتضحيات كبيرة أن تحافظ على نظامها السياسي، وأن تصمد في ظروف حصارات وعقوبات لا تقدر عليها إلّا الدول الكبرى والعظيمة.
وكلّ مُنصف ــ إذا تجرّد من اعتباراته السياسية الخاصة، ومنطلقاته الأيديولوجية الضيّقة، وخلفيّاته المذهبية والطائفية المسبقة ــ يعرف حق المعرفة أن إيران قد حقّقت لنفسها ما يفوق المعجزة في بناء دولة ونظام مناوئ لهيمنة أميركا، وعدوانية وتوسّعية دولة الاحتلال.
عندما وقعت الحرب السابقة كان هدف الضربة إسقاط النظام، وعندما وقعت هذه الحرب أُعلن أن الهدف إسقاط النظام وتفكيك الدولة، لأن الوصول إلى هذه النتيجة بالذات هو الهدف الأهمّ والأكبر، والذي من دونه كما ثبت بالوجه القطعي أنه لن يحسم شيئاً ملموساً وحقيقياً في جوهر الصراع في منطقة الإقليم.
ولن يكون هناك لا «شرق أوسط جديداً»، ولا ما يحزنون، وأن عدم حسم هذا الأمر بالذات هو الذي يقضُّ مضاجع ترامب وإدارته العقارية، وهو ما يهدّد سيطرة الدولة الصهيونية المباشرة، وبالقوة لا بغيرها على جغرافية الإقليم، وعلى إقامة دولتها التوراتية، وعلى تقاسم مقدّراتها وثرواتها مع الأميركي الجشع، ومع طموحات العصابة العقارية التي تسيّر شؤون الدولة المختطفة في واشنطن على يد هذه العصابة كما يظهر بكلّ وضوح.
كل مراقب مُنصف، وبالمواصفات التي ذكرناها، وبقدر ما يكون صادقاً مع نفسه بات ييقن أن انتصار هذا الطرف أو ذاك في معادلة هذه الحرب على الطرف الآخر لن يتحدّد الآن، وقد أصبحت اللعبة مكشوفة، والأهداف معلنة، والتوجّهات محسومة إلّا إذا استطاع أن يزعزع أركان الدولة الإيرانية، وأن يضعضع أو يخضع النظام السياسي فيها من وجهة النظر الأمروصهيونية، في حين تصبح مهمّة تماسك الدولة، وثبات نظامها السياسي هي مهمة المهمات، وهي الفصل المعياري الأوّل والأهم في مواجهة الأهداف والطموحات والرهانات المعادية للدولة، ولنظامها السياسي.
فإذا صمد النظام على الرغم من كل ما أصابه من اهتزاز كبير بعد تصفية الصفّ الأوّل من قيادته، وإذا تماسكت البلاد إلى الحدّ الذي يمكّنها من جرّ أميركا إلى حرب لا تتمكّن من حسمها، ولا تقوى على الاستمرار بها، ولا تتمكّن من حماية دولة الاحتلال من الهجمات النوعية التي ستتعرّض لها بصورة تفوق بأضعاف مضاعفة ما تعرّضت لها من أذى وخسائر ودمار في الحرب السابقة، وهي حرب الـ12 يوماً، وما تعرّضت له حتى الآن، فإنها ستأخذ أبعاداً جديدة، وستشهد تطوّرات وتداعيات لا تخطر على بال الذين أقدموا عليها، كما تبدو لي الأمور.
دعونا نراقب هذه التداعيات، وهذه التطوّرات في الأيّام القليلة القادمة قبل أن نحكم عليها، وقبل أن يتسرّع أحد بإصدار أيّ تقييم لنتائجها.
هذه حرب مصيرية، ووجودية، وإستراتيجية ما زالت مفتوحةً على سقوط النظام الإيراني وزعزعة أركان الدولة الإيرانية، وما زالت مفتوحة على هزيمة مدوّية لأميركا، وعلى هزيمة كارثية للدولة العبرية، ولن تنفع معها الادعاءات والاستعراضات والتهديدات التلفزيونية على جانبَيها، لأنها هي التي ستحدّد إلى حد بعيد مصير ومستقبل هذا الإقليم، وهو الأهمّ من مختلف زوايا ومكامن الصراع على ثرواته ومقدّراته، وعلى موقعه وممرّاته، ومن زوايا ثقافية وتاريخية لا يتمتّع لها أي إقليم آخر مهما بلغت درجة تطوّره.
دعونا أن نعود إلى أقوالنا المأثورة، لأنها تختزن أحياناً الكثير من الحكمة: من يضحك في البداية ليس بالضرورة هو من سيضحك في النهاية، وقد لا يكون النظام الإيراني هو النظام الوحيد المرشّح للسقوط.