الكاتب: رجب أبو سرية

حرب الطاقة العالمية

نشرت في 01 مايو 2026 10:34 ص

الكاتب: رجب أبو سرية

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/429769



 


إذا كانت هناك من جائزة بات يستحقها الرئيس الأميركي، فهي جائزة العالم الوهمي، فقد أظهر قدرة عجيبة على اختراع الأوهام، التي لا تداعب إلا خياله، الذي يبدو أنه بات بحاجة إلى طبيب مختص، للكشف عليه. ومن ضمن ما اخترعته مخيلة دونالد ترامب، وجود صراعات داخل النظام الإيراني الحالي، وهذا يأتي بعد أن بدأ الحرب بهدف إسقاط النظام برمّته، وليس المراهنة على «خلافاته الداخلية»، أيّاً يكن فمن الطبيعي أن توجد خلافات حول كيفية الرد على العروض الأميركية التفاوضية والعسكرية، وهذا الأمر ينطبق على كل دول العالم، باستثناء تلك المحكومة بنظام حكم الفرد المطلق، والذي هو أيضاً يلجأ لمستشارين، ومن الطبيعي حتى أن تدل الخلافات على وجود صراعات بين كتل وتوجهات سياسية، والتي هي جوهر النظام الديمقراطي، وهذا واقع الحال الأميركي، فالحزبان خصمان دائماً، ومختلفان في كل التوجهات السياسية، وغني عن القول: إن ترامب بالتحديد، وفيما يخص حربه على إيران على وجه الخصوص يواجه معارضة سياسية وإعلامية وشعبية واسعة.
لكن الأهم في هذا الأمر هو الخلاف داخل إدارته، وهذا أمر طبيعي، لكن لا بد من الإشارة إلى أن الخلافات حول إدارة ملف الحرب والتفاوض، بين أركان الإدارة، تنطلق من اعتبارات خاصة بكل طرف، ولعل أهم شخصين هنا، هما جي دي فانس نائب ترامب، ووزير خارجيته المهاجر الكوبي السابق ماركو روبيو، واعتبارات الرجلين تنبع من طموحهما في الفوز بترشيح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة المقبلة عام 2028، حيث يتقدم فانس بشكل لافت، لذلك أظهر ميلاً واضحاً لوقف الحرب والتوجه إلى التفاوض، ثم تفضيل الحصار على العودة للحرب، لأنه يدرك أن هذا هو الطريق للإبقاء على حظوظه في البقاء في البيت الأبيض ولكنه قد تعلم من درس كامالا هاريس، التي خسرت بسبب عدم نجاح جو بايدن في التخلص من «جر» نتنياهو له في أتون الحرب، وفانس لديه فرصه أفضل من هاريس، ذلك أن هناك وقتاً حتى موعد الانتخابات، بينما هاريس فقدت هذه الفرصة، لأن الانتخابات جرت في ظل حرب شنها وفرض أجندتها نتنياهو، وزج بها بايدن بالضد من رغبته، فعاقب الناخب الأميركي هاريس على خطيئة بايدن، ويحاول فانس اليوم تجنب معاقبة الناخب له على حماقة ترامب.
أما روبيو، وهو أقل ميلاً للحصار والتفاوض، وإن كان أيضاً ليس متحمساً للحرب مثل وزير الحرب بيت هيغسيث، لذلك توارى إلى عن الأنظار، عند لحظة المواجهة بين الخيارين، فهو ومنذ البداية، ارتضى تقديم فانس على شخصه، ليبقي على حظه كرقم ثان، أو حتى كبديل، في حال، تسبب موقف فانس بإحباط خيار مواصلة الحرب، في إغلاق باب الترشح أمامه، فما زال الجمهوريون يقيمون الوزن الحاسم لأموال اللوبي الصهيوني في الانتخابات، وكان ملاحظاً تسريب هذا اللوبي لما سمّي إحباط فانس لخطة «الموساد» الإسرائيلي، الخاصة بإسقاط النظام الإيراني، بعد مئة ساعة من الضربة الأولى التي ركزت على اغتيال القيادة الإيرانية، عبر الزج بالقوات الكردية لتعبر الحدود ولتلتحم «بالجماهير» الإيرانية المطالبة بإسقاط النظام، كما رسم سيناريو «الموساد» خطته لإسقاط النظام الإيراني.
ولسنا بوارد الدخول في مساجلة مع رئيس أميركي يغلق الأبواب أمام الحوار أصلاً، وهو لا يشارك في مؤتمر صحافي، إلا ويتعارك مع الصحافيين، ولا يدخل في سجال مع رئيس دولة أخرى، إلا وينتهي «بشتمه»، وهو لا يفاوض إيران، بل يملي عليها الشروط، أي هو باختصار لا يتحلى بالروح الديمقراطية اللازمة كشرط لحوار جدّي، وما أن يخسر في منافسة انتخابية، حتى يتهم النظام الانتخابي بالتزوير، لكننا نشير إلى ما انتهى الأمر إليه، بعد جولة الحرب الطاحنة التي استمرت 39 يوماً، تخللها ارتكاب جرائم حرب، وتهديدات متناقضة، وفي كل الاتجاهات، وظهر خلالها رئيس أكبر دولة في العالم، كما لو كان مهرجاً، أو إعلامياً من الدرجة العاشرة، يجلس أمام حسابه الشخصي، على «تروث سوشيال»، وكأنه يفتقد للموظفين الإعلاميين أو المتحدثين باسم البيت الأبيض، أو أنه يفتقد لوكالات الأنباء والمحطات الفضائية الإعلامية، فيطلق التصريحات بنفسه!
المهم أنه تنقل من عرض الاستسلام بلا شروط على إيران، إلى اختيار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، وملاحقة سفنها عبر البحار والمحيطات، معتبراً أن إيران في حالة «انهيار» وهذا آخر وصف غريب له، أنتجه خياله الجامح، معتبراً أن الحصار يخنق الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني من الضائقة أصلاً، فيما جاء الحصار الأميركي البحري رداً على سيطرة إيران على مضيق هرمز، تلك السيطرة التي ظهرت خلال الحرب، ولم تكن موجودة أصلاً قبلها، أي أن إيران حتى في آخر عرض تفاوضي قدمته، في ثلاث مراحل، كانت المرحلة الأولى منه عبارة عن إعلان صريح بوقف الحرب، وعدم العودة لها أو التهديد بها، مقابل فتح المضيق من قبل إيران، أي بالنتيجة فإن أميركا لو وافقت على العرض الإيراني الذي اعتبره البيت الأبيض جيداً، لكنه غير كاف، أو جيد لدرجة أنه منع خيار العودة للحرب، أو على الأقل الإعلان عن ذلك فوراً، وهذا يؤكد أن حرب ترامب كانت فاشلة تماماً، فهي أعادت الأمور بشكل أسوأ بالنسبة له، إلى ما كان عليه الحال التفاوضي قبلها.
أما الحصار الأميركي البحري، فصحيح أنه يخنق الاقتصاد الإيراني، لكن لا بد من الإشارة هنا، حتى تتضح الصورة تماماً، إلى أن أميركا تفرض عقوبات اقتصادية، بما في ذلك حجز الأموال الإيرانية في البنوك الأميركية منذ 47 سنة، أي منذ إسقاط نظام الشاه، وتشمل تلك العقوبات عدم استيراد أهم منتج إيراني، كما هو حال دول الخليج العربي، أي النفط، ورغم كل تلك السنين، لم يسقط النظام الإيراني، ولم تنهر الدولة، بل الأهم، هو أن ما تعتبره إسرائيل بشكل مؤكد من تهديد إيراني وجودي لها لم يزل قائماً، بل تزايد عبر السنوات، والحصار الأميركي الآن يزيد الوضع الاقتصادي الإيراني سوءاً، لكن في الوقت نفسه يبقي على إغلاق مضيق هرمز، وكانت إيران في حال التوصل لاتفاق ولو وفق عرضها، وبعد المرحلة الأولى منه، ستحصل على دخل من الرسوم التي ستبدأ تحصيلها من المضيق، لكن الحصار الأميركي لا يضغط على الاقتصاد الإيراني فقط، بل يعتبر حرباً عالمية ثالثة، عنوانها الطاقة، أو ما يمكن وصفه بحرب الطاقة العالمية.
أما إيران، وإن كانت واجهت عسكرياً، في ميدان الحرب أعتى قوة عسكرية في العالم، وأقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط معاً، وحدها وقارعتهما باقتدار، فإنه يمكنها أن تواجه الحصار الأميركي بثقة، لأنها لن تكون وحدها هذه المرة، كما كان حالها في الميدان العسكري، فالدعم الروسي والصيني، سيكون أعلى وأكثر فاعلية، ولن يقتصر على مساعدة الأقمار الصناعية، بإحداثيات الأهداف الأميركية والإسرائيلية، بل يمكن للنفط الإيراني عبر بحر قزوين، وعبر حدودها البرية أن ينتقل لروسيا قاصداً الصين والهند، وغيرهما، أو عبر الحدود مع أفغانستان وغيرهما، لأن الصين وروسيا على الأقل لن تقاطعا إيران اقتصادياً، لكن العالم، خاصة السوق الأوروبي، لن يصمد في مواجهة ارتفاع سعر النفط، والداخل الأميركي نفسه سيعلن غضبه سريعاً تجاه تضخم أسعار السلع التي يستورد معظمها من كل أنحاء العالم.
ولعل مبادرة دولة الإمارات نحو الخروج من منظمة أوبك، رغم تقديرات الخبراء الاقتصاديين، بأن ذلك لن يؤثر على أسعار النفط، وذلك لسببين، هما أن حجم إنتاج النفط الإماراتي وإن كان سيتحرر من حصتها المخصصة وفق أوبك، إلا أنه لن يكون بمقدورها إنتاج كمية أكبر، بعد تضرر بعض الآبار بسبب الحرب، والأهم عدم القدرة على تصديره بسبب إغلاق مضيق هرمز، لكن الهدف كان سياسياً وهو الضغط على الجار والشريك السياسي السعودي، للانخراط في عمل ما ضد إيران في هرمز بالتحديد، أو على الأقل قطع الطريق على المسار الذي تفتحه إيران من خلال الدفع بترتيب إدارة إقليمية للمضيق، وعدم العودة إلى ما كان عليه حال المضيق قبل الحرب، وهذا ما ظهر من خلال عقد الاجتماع الاستثنائي لمجلس التعاون الخليجي، واتخاذه قراراً، كان من الواضح أن الاجتماع قد عقد من أجل اتخاذه، وهو رفض فرض الرسوم على مرور السفن التجارية وناقلات النفط عبر مضيق هرمز، أي رفض ما تعتبره إيران منجزاً لصمودها في الحرب مع أميركا وإسرائيل. ويبقى الأهم وهو أن وجهة الصراع، بعد المواجهة العسكرية، قد اتضحت في أمرين، هما أنها كانت صداماً عالمياً اتخذ من الشرق الأوسط ميداناً يؤكد أهمية هذه المنطقة بالنسبة للنظام العالمي، والأمر الثاني، أن حقل الصراع العالمي هو اقتصادي يؤكد المقولة الشهيرة، عن كون السياسة اقتصاداً مكثفاً.