بقلم: شذى إسماعيل

حين تتحول المعاناة إلى محتوى

نشرت في 12 أكتوبر 2026 12:45 م

بقلم: شذى إسماعيل

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/436435

في زمن أصبحت فيه الصورة قادرة على الوصول إلى آلاف الأشخاص خلال ثوانٍ، لم تعد المعاناة حبيسة المكان الذي تحدث فيه، بل باتت تنتقل عبر الشاشات، وتتحول إلى مادة يتداولها الناس ويعلّقون عليها ويتفاعلون معها. وبين حق الجمهور في المعرفة، وحق الإنسان في الخصوصية والكرامة، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: متى يصبح نقل الألم انتهاكًا جديدًا لمن يعيشونه؟

لا شك أن تصوير المعاناة قد يكون ضرورة لكشف الحقيقة، وتوثيق الانتهاكات، وإيصال أصوات من لا يجدون من يسمعهم. لكن المشكلة تبدأ حين تتراجع قيمة الرسالة أمام إغراء المشاهدات، وحين تصبح دموع الناس ووجوههم المرهقة ولحظات انكسارهم وسيلة لجذب الانتباه، بدل أن تكون حكاياتهم الإنسانية سببًا للتضامن والعمل.

فليس كل ما يمكن تصويره ينبغي نشره، وليس كل ما يثير فضول الجمهور يحق له الاطلاع عليه. هناك فرق بين صورة توثّق حقيقة، وصورة تجرّد صاحبها من خصوصيته في أكثر لحظاته ضعفًا. وهناك فرق بين نقل المأساة بهدف الفهم والمساءلة، وبين عرضها بطريقة تجعل الإنسان نفسه جزءًا من مشهد استهلاكي عابر.

المؤلم أن بعض الصور قد تختصر حياة إنسان كاملة في لحظة بكاء، أو تختزل عائلة في مشهد فقد، أو تحوّل طفلًا إلى وجه يتداوله الغرباء دون أن يدرك معنى ذلك أو يملك القدرة على رفضه. وبعد أن ينتهي التفاعل، يعود المتابع إلى يومه، بينما يبقى أصحاب الحكاية في مواجهة واقعهم، وقد ترك النشر في حياتهم أثرًا لا يمكن محوه بسهولة.

وهنا لا تقع المسؤولية على الإعلامي وحده، بل تمتد إلى المنصات الرقمية والجمهور أيضًا. فالمشاهدات ليست أرقامًا بريئة دائمًا؛ إنها قد تكافئ المحتوى المسؤول، وقد تمنح الانتشار لمحتوى ينتهك كرامة الآخرين. وكل مشاركة لصورة مؤلمة، وكل تعليق، وكل إعادة نشر، يمكن أن تسهم في توسيع أثرها، سواء كان ذلك بقصد المساعدة أو بدافع الفضول.

لا يعني ذلك إخفاء الحقائق أو التستر على المآسي، فالصمت قد يحرم المظلوم من صوته، والصورة قد تكون الدليل الذي لا تستطيع الكلمات وحدها تقديمه. لكن المسؤولية المهنية والأخلاقية تقتضي أن نسأل قبل النشر: هل يحتاج الجمهور فعلًا إلى رؤية هذه التفاصيل حتى يفهم ما حدث؟ وهل يمكن إيصال الحقيقة من دون كشف هوية الضحية أو تعريضها لمزيد من الأذى؟ وهل يخدم النشر قضية إنسانية، أم يخدم فقط سباق الوصول والانتشار؟

إن احترام الخصوصية لا يتعارض مع حق المعرفة، كما أن التعاطف لا يحتاج دائمًا إلى صور قاسية كي يكون صادقًا. أحيانًا تكون الكلمات الدقيقة أكثر قدرة على نقل الحقيقة من مشهد صادم، ويكون حجب وجه إنسان حفاظًا على كرامته موقفًا مهنيًا، لا انتقاصًا من قيمة القصة.

في النهاية، ليست كل معاناة محتوى، وليس كل ألم مادة متاحة للتداول. فخلف كل صورة إنسان له اسمه وحياته وأسراره وحقه في أن يُرى بوصفه إنسانًا، لا وسيلة لتحقيق الانتشار.

قد تنتهي المشاهدات خلال ساعات، لكن أثر الصورة قد يبقى سنوات. والسؤال الذي ينبغي أن يرافق كل من يحمل كاميرا أو يدير منصة أو يضغط زر المشاركة ليس فقط: هل تستحق هذه الصورة النشر؟ بل أيضًا: هل نحفظ بها حق الإنسان في أن تبقى كرامته مصونة، حتى في لحظة ألمه؟