نشرت في 02 أغسطس 2026 02:16 م
https://khbrpress.ps/post/433407
قراءة في دلالات منشور محمد دحلان الأخير، والجهود السياسية الرامية إلى تثبيت وقف الحرب وفتح الطريق أمام إعادة إعمار غزة.
في اللحظات التاريخية الصعبة، لا تُقاس قيمة القيادات السياسية بعدد الخطب التي تلقيها، ولا بارتفاع نبرة شعاراتها، وإنما بقدرتها على استخدام ما تمتلكه من علاقات وخبرات ونفوذ من أجل حماية شعبها، وفتح الأبواب التي تبدو مغلقة، وتحويل الاتصالات السياسية إلى نتائج ملموسة على الأرض.
ومن هذه الزاوية، يكتسب المنشور الأخير للقيادي الفلسطيني محمد دحلان أهمية خاصة، لأنه لم يكتفِ بالحديث عن اتفاق سياسي أو وثيقة تفاهم، بل وضع المسألة الأساسية في مكانها الصحيح: نجاح أي اتفاق بشأن غزة يبقى مرهونًا بوقف القصف والقتل والاغتيالات والاعتداءات الإسرائيلية اليومية.
وبحسب ما جاء في منشوره الأخير، أكد دحلان أن الاتصالات مستمرة مع الجانب الأميركي من أجل وقف الهجمات على قطاع غزة، وضمان التنفيذ الكامل والأمين للتفاهمات، بعد موافقة حماس والفصائل الفلسطينية على خارطة طريق تتعلق بترتيبات المرحلة المقبلة.
وقف الحرب قبل الاحتفال بالاتفاق
تكشف كلمات دحلان عن قراءة واقعية لطبيعة المرحلة؛ فالاتفاقات لا تُقاس بما يُكتب في الوثائق، وإنما بما يتغير في حياة الناس.
لا يمكن الحديث عن نجاح سياسي بينما يستمر القصف، ولا يمكن مطالبة الفلسطينيين بالثقة في التفاهمات بينما تتواصل عمليات القتل والاغتيال. ولهذا ربط دحلان نجاح الاتفاق بالتزام إسرائيل الكامل بوقف اعتداءاتها، وهو موقف يضع المسؤولية بوضوح على الطرف الذي يمتلك الطائرات والدبابات والقوة العسكرية التي تواصل استهداف قطاع غزة.
إن قيمة موقف دحلان تكمن في أنه لم يتعامل مع موافقة الفصائل الفلسطينية باعتبارها نهاية المهمة، بل باعتبارها بداية لمعركة جديدة عنوانها إلزام إسرائيل بوقف الحرب وتنفيذ ما تم التفاهم عليه.
دحلان وسياسة الأبواب المفتوحة
يمتلك محمد دحلان شبكة واسعة من العلاقات العربية والدولية، خصوصًا مع دوائر القرار في المنطقة والولايات المتحدة. وفي الظروف العادية قد تُقرأ هذه العلاقات باعتبارها جزءًا من الحضور السياسي لأي شخصية عامة، لكن في زمن الحرب تتحول أهميتها إلى مدى القدرة على توظيفها لحماية الناس وتحقيق أهداف وطنية.
المنشور الأخير يكشف أن دحلان لم يكن مجرد متابع للمفاوضات من الخارج، بل كان حاضرًا في مسار الاتصالات السياسية، وأن هذه الاتصالات لم تتوقف عند نقل المعلومات، وإنما امتدت إلى الدفع باتجاه وقف الهجمات وضمان تنفيذ الاتفاق.
وهنا يظهر الفرق بين الدبلوماسية النظرية والدبلوماسية الفاعلة. الأولى تكتفي بإصدار البيانات، أما الثانية فتتحرك بين الأطراف، وتنقل الرسائل، وتتابع التفاصيل، وتحاول إغلاق المنافذ التي يمكن أن يستخدمها أي طرف للتراجع أو التعطيل.
لقد استخدم دحلان علاقاته للوصول إلى صانعي القرار، لا من أجل موقع سياسي شخصي، وإنما للدفع باتجاه وقف الحرب ومنح سكان غزة فرصة للخروج من دائرة الموت اليومية.
خطاب المسؤولية لا خطاب المزايدة
من أبرز ما حمله منشور دحلان دعوته الفصائل الفلسطينية إلى الالتزام الكامل بالتفاهمات، ووقف المظاهر المسلحة وكل ما يمكن أن يمنح إسرائيل ذريعة لإفشال الاتفاق.
قد يحاول البعض قراءة هذه الدعوة خارج سياقها، لكن جوهرها السياسي والوطني واضح: المطلوب في هذه المرحلة منع إسرائيل من تصنيع مبررات جديدة لاستمرار الحرب.
فإسرائيل اعتادت استخدام أي حادث ميداني، مهما كان محدودًا، لتوسيع عملياتها العسكرية والتهرب من التزاماتها. ومن هنا، فإن الانضباط الفلسطيني ليس تنازلًا، بل جزء من معركة تثبيت وقف النار وكشف الطرف الذي يسعى إلى إفشاله.
إن القيادة المسؤولة لا تكتفي بمطالبة الخصم بالالتزام، بل تعمل كذلك على ضبط الساحة الداخلية ومنع الأخطاء التي قد تُستغل ضد شعبها. وهذا ما عبّر عنه دحلان عندما دعا الفصائل إلى الاستعداد لمرحلة مليئة بالتحديات، تبدأ بوقف الحرب ولا تنتهي إلا بإعادة إعمار غزة وحماية الضفة الغربية.
من وقف القصف إلى إعادة بناء غزة
لم يحصر دحلان رؤيته في وقف الهجمات وحده، بل ربط المرحلة المقبلة بإعادة بناء غزة واستعادة الأمل والثقة بالمستقبل.
وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن وقف الحرب ليس هدفًا منفصلًا عن اليوم التالي. فبعد إسكات الطائرات والمدافع، تبدأ معركة أكثر تعقيدًا تشمل إعادة إعمار المنازل والمستشفيات والمدارس، واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تشغيل المؤسسات، وتوفير فرص العمل، وضمان عودة النازحين إلى حياة آمنة وكريمة.
وقد أشار دحلان في منشوره إلى أن الشعب الفلسطيني مقبل على مرحلة صعبة، لكنه أكد ثقته بقدرته على تجاوزها، وإعادة بناء غزة، وحماية الضفة، ومواصلة الطريق نحو الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
هذا الربط بين غزة والضفة يحمل دلالة سياسية واضحة، تتمثل في رفض التعامل مع قطاع غزة باعتباره ملفًا إنسانيًا منفصلًا أو كيانًا معزولًا عن بقية الأراضي الفلسطينية.
غزة ليست مجرد منطقة تحتاج إلى الإعمار، بل هي جزء أساسي من المشروع الوطني الفلسطيني. وأي ترتيبات مستقبلية يجب أن تحافظ على وحدتها السياسية والجغرافية مع الضفة الغربية والقدس.
دور يتجاوز الانقسام الفلسطيني
لعب الانقسام الفلسطيني طوال سنوات دورًا مدمرًا في إضعاف الموقف الوطني، وأتاح لإسرائيل التعامل مع الفلسطينيين بوصفهم أطرافًا متنازعة لا شعبًا موحدًا يطالب بحقوقه.
لكن تحرك دحلان في ملف وقف الحرب يعكس مقاربة مختلفة، لا تنطلق من الخلاف التاريخي مع حماس، بل من أولوية حماية غزة.
فموافقة حماس والفصائل على خارطة الطريق لم تُقابل بخطاب شماتة أو محاولة لتسجيل نقاط سياسية، وإنما جرى البناء عليها من أجل الضغط باتجاه وقف الهجمات وضمان الانتقال إلى المرحلة التالية.
وهذا السلوك يحمل رسالة مهمة، مفادها أن الخلافات الفلسطينية، مهما كانت عميقة، يجب ألا تتحول إلى عائق أمام التعاون عندما تكون حياة الناس ومستقبل الوطن في خطر.
لقد اختار دحلان أن يتعامل مع موقف حماس الجديد بوصفه خطوة ينبغي دعمها والبناء عليها، لا فرصة لإعادة فتح ملفات الماضي. وهذا هو جوهر السياسة الوطنية المسؤولة.
الواقعية التي تحتاجها القضية الفلسطينية
تعاني السياسة الفلسطينية منذ سنوات من فجوة واسعة بين الخطاب والقدرة على التأثير. كثيرون يتحدثون باسم غزة، لكن قلة منهم يمتلكون قنوات فعلية للوصول إلى الأطراف المؤثرة في القرار.
أما دحلان، فقد وضع علاقاته في خدمة هدف مباشر يتمثل في وقف الحرب. وهذا لا يعني أن الطريق أصبح سهلًا أو أن الاتفاق بات مضمونًا، لكنه يعني وجود جهد فلسطيني قادر على مخاطبة مراكز النفوذ والتأثير عليها.
الواقعية السياسية لا تعني التخلي عن الحقوق، كما يحاول البعض تصويرها، بل تعني معرفة كيفية حماية تلك الحقوق ضمن موازين القوى القائمة.
وفي حالة غزة، تبدأ الواقعية من وقف القتل، وإدخال المساعدات، ومنع التهجير، وإعادة بناء القطاع، ثم الانتقال إلى معالجة القضايا السياسية الكبرى ضمن رؤية وطنية شاملة.
إن مطالبة الناس بالصمود إلى ما لا نهاية، من دون توفير أدوات تحميهم أو أفق سياسي ينهي معاناتهم، ليست بطولة. البطولة الحقيقية هي امتلاك الشجاعة للبحث عن مخرج يحفظ الشعب والقضية معًا.
إسرائيل أمام اختبار الالتزام
رغم أهمية الموقف الفلسطيني وموافقة الفصائل على خارطة الطريق، فإن نجاح التفاهمات يبقى معلقًا على السلوك الإسرائيلي.
وقد جاءت صياغة دحلان واضحة في هذا الجانب: الاتفاق لا ينجح ما لم توقف إسرائيل القصف والقتل والاغتيالات والاعتداءات اليومية.
وهذا يعني أن إسرائيل أصبحت أمام اختبار حقيقي. فإما أن تلتزم بما يجري التفاهم عليه وتسمح بفتح مرحلة جديدة، أو تثبت أنها تستخدم المفاوضات غطاءً لاستمرار الحرب وتحقيق أهدافها العسكرية والسياسية.
كما أن الولايات المتحدة أصبحت بدورها أمام مسؤولية لا يمكن تجاوزها، خصوصًا في ظل انخراط شخصيات أميركية في الاتصالات مع إسرائيل. فلا يكفي إبلاغ الفلسطينيين بوجود جهود أو تفاهمات، بل يجب تحويل هذه الجهود إلى وقف ملموس للهجمات وضمانات تمنع استئنافها.
قيادة تحضر عندما تحتاجها غزة
المنشور الأخير لمحمد دحلان ليس مجرد تعليق سياسي على حدث عابر، بل يكشف طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه القيادة عندما توظف حضورها وعلاقاتها في خدمة شعبها.
فبينما ينشغل البعض بتسجيل المواقف وإدارة الخلافات، اختار دحلان أن يكون جزءًا من الجهد الهادف إلى وقف الحرب، وأن يواصل اتصالاته مع الأطراف المؤثرة من أجل إلزام إسرائيل بالتنفيذ.
وقد يكون من المبكر إعلان نجاح هذه الجهود بصورة نهائية، خصوصًا في ظل تعقيدات التنفيذ والمواقف الإسرائيلية، لكن المؤكد أن التحرك السياسي فتح نافذة يجب حمايتها والبناء عليها.
إن دحلان لم يقدم نفسه في منشوره باعتباره صاحب انتصار شخصي، بل تحدث عن أمل أهل غزة، وعن مسؤولية الفصائل، وعن إعادة الإعمار وحماية الضفة والدولة الفلسطينية.
وهذه هي اللغة التي يحتاجها الفلسطينيون اليوم: لغة تنظر إلى المستقبل بدل الغرق في الماضي، وتبحث عن النتائج بدل الاكتفاء بالشعارات، وتضع حياة الإنسان الفلسطيني في مركز القرار السياسي.
غزة تستحق بداية جديدة
لقد تحمل سكان غزة ما يفوق قدرة البشر على الاحتمال. فقدوا أبناءهم وبيوتهم ومصادر رزقهم، وعاشوا تحت القصف والحصار والخوف.
واليوم، عندما تظهر فرصة لوقف الحرب، يصبح الواجب الوطني حماية هذه الفرصة من العبث والمزايدات والحسابات التنظيمية الضيقة.
إن الجهود التي يقودها دحلان، والمرونة التي أبدتها حماس والفصائل، والتحرك العربي والدولي، يمكن أن تشكل بداية مسار جديد، لكن ذلك يتطلب التزامًا كاملًا، وضمانات واضحة، وموقفًا فلسطينيًا موحدًا.
فوقف الحرب ليس منّة من أحد، بل حق لأهل غزة. وإعادة إعمار القطاع ليست مشروعًا إنسانيًا مؤقتًا، بل جزء من حق الفلسطينيين في الحياة والحرية والاستقلال.
وفي هذه اللحظة، يظهر دور محمد دحلان بوصفه سياسيًا أدرك أن القيمة الحقيقية للعلاقات لا تكون في امتلاكها، وإنما في استخدامها عندما يحتاج الشعب إليها.
لقد وضع دحلان وقف الحرب في مقدمة الأولويات، وأبقى قنوات الاتصال مفتوحة، وحمّل إسرائيل مسؤولية التنفيذ، ودعا الفلسطينيين إلى حماية الاتفاق.
وإذا نجحت هذه الجهود في إسكات السلاح وفتح الطريق أمام إعادة بناء غزة، فسيكون ذلك دليلًا على أن السياسة، عندما تُمارس بواقعية ومسؤولية، تستطيع أن تنقذ الأرواح وتمنح الشعوب فرصة جديدة للحياة.
«وقف الحرب ليس منّة من أحد، بل حق لأهل غزة وبداية لازمة لاستعادة الحياة والمستقبل».