نشرت في 01 أغسطس 2026 11:02 ص
https://khbrpress.ps/post/433347
لم يشهد تاريخ البشرية من شريعة حمورابي القديمة (بابل 1750 ق.م)، والمعاهدات المصرية الحيثية (1259 ق.م) أقدم معاهدة سلام دولية موثقة لتنظيم العلاقات بين الامبراطوريات، الى محمد بن الحسن الشيباني (العالم الإسلامي، القرن ال 8 الميلادي) الذي وضع قواعد لتنظيم أحكام الحرب والسلم وعلاقة الدول، وصولا الى فقهاء عصر النهضة الأوروبية، فرانسيسكو دي فيتوريا (اسبانيا، 1486 – 1546): الذي أسس المفاهيم الأولى للقانون الطبيعي وحقوق الشعوب والأمم؛ وألبريكو غنتيلي (إيطاليا/ إنجلترا، 1552 – 1608): يُعرفه بعض المؤرخين كأول من فصل قانون الحرب عن اللاهوت والدين؛ وهوغو عروتيوس (هولندا، 1583 – 1645): صاحب الكتاب الشهير “في قانون الحرب والسلام” (1625)، الذي أرسى قواعد المجتمع الدولي والسيادة، ويعتبر الاب الحقيقي للقانون الدولي الحديث. ووصولا الى عصرنا الحديث لم يشهد التاريخ تطبيقا أمينا وحقيقيا لروح القانون.
رغم وجود عصبة الأمم وأعقبتها هيئة الأمم المتحدة والمحاكم الدولية: محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنائية الدولية، الا أن الامبراطوريات القديمة والحديثة ومعها الدول كافة تعاملت مع القانون والمعاهدات الدولية وفق مصالحها الوطنية، وانقلبت عليها عندما تناقضت مع تلك المصالح، مما أفقد القانون والمعاهدات والمحاكم الدولية دورها ومكانتها في تعميم العدالة الإنسانية، وبالتالي ظل القانون والعدل رهين مصالح الدول المتناقضة، واسير الفئوية الضيقة وبلطجة الدول، التي فصلت العدالة النسبية في أضيق مساحاتها ومن منظارها الخاص. وبقيت العدالة تعاني العجز والقصور والارتدادات الخطيرة، التي هددت ومازالت تهدد مستقبل السلام والعدل في العالم نتاج تغول الأقطاب والدول الامبريالية وخاصة الولايات المتحدة الأميركية وادواتها الوظيفية وخاصة دولة إسرائيل النازية، ومن يماثلها في القوة من الأنظمة الصاعدة وذات الايديولوجيات الأخرى.
وإذا توقفنا أمام مثال حي وحديث، لاحظنا أن المحكمة الجنائية الدولية تعرضت لأبشع وأعنف ملاحقة أميركية إسرائيلية بعدما أصدرت مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير حربه يوآف غالانت في 24 تشرين ثاني / نوفمبر 2024، وقامت الدنيا ولم تقعد، فتدخلت الادارتين الاميركيتين السابقة برئاسة جو بايدن والحالية برئاسة دونالد ترمب بشكل همجي وإرهاب دولة معلن وعلى الملأ ضد المدعي العام كريم خان، وقضاة المحكمة الجنائية الدولية، بدءً من رئيس الإدارة مرورا بكل أركانها وصولا لمجلس النواب، وغيرها من المؤسسات والقوى والشخصيات التي تدور في فلك المنظمات الصهيونية وقطاعا من المسيحانية الصهيونية – الافنجليكان- ، وحدث ولا حرج عن العصابة الصهيونية الحاكمة في تل ابيب.
وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو نشر مقالا في صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية في 13 تموز / يوليو الماضي، وعد فيه بلغة تعكس روح العربدة والمكارثية الأميركية الجديدة ب “تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، متهما إياها بشن حرب على الولايات المتحدة بقوة القانون الدولي.” وهددها بالاستعانة بكافة الأدوات المتاحة لشل قدراتها وحماية السيادة الأميركية والقوات العسكرية من الملاحقة القضائية الأجنبية، وهو يقصد حماية إسرائيل باعتبارها جزءً لا يتجزأ من المنظومة الأميركية، وأضاف بأن وزارته ستطلق “حملة رسمية لتفكيك المحكمة “لبنة لبنة”، واصفا إجراءاتها بالتهديد المباشر للاستقلال والسيادة الأميركية.
ورغم أن الكونغرس الأميركي لم يصدر قانونا نهائيا ومعتمدا بشكل رسمي ضد المحكمة الجنائية الدولية او المدعي العام خان، الا انه ركز جهوده على مشروعات قوانين تم إقرارها في مجلس النواب (مثل “قانون مكافحة المحكمة غير الشرعية”)، وتفعيل “قانون حماية أعضاء الخدمة الأميركية” (2002) المعروف إعلاميا بقانون “غزو لاهاي”، وهو قانون أصدره الكونغرس تاريخيا لتقييد أي تعاون مع المحكمة؛ الا أن العقوبات الفعلية استندت الى فرض حظر وتجميد للأصول ضد كريم خان بشكل مباشر وفقا الأمر الرئاسي التنفيذي (شباط / فبراير 2025)، بالإضافة الى قرار تنفيذي رئاسي من البيت الأبيض وليس قانونا تشريعيا كاملا مرّ من غرفتي الكونغرس ليوقعه الرئيس كتشريع مستقل.”
وفي ظل هذه الهجمة الأميركية الإسرائيلية الإرهابية الشرسة ضد المدعي العام كريم خان وزملائه في المحكمة، تم تجييش ورشوة وابتزاز العشرات من الدول الأعضاء، وتم يوم الجمعة 24 يوليو الماضي تصويت 82 دولة من أصل 125 دولة لصالح عزل خان، على خلفية تهمة باطلة بارتكاب “سلوك جنسي غير لائق”، وجرى التصويت بالاقتراع السري خلال اجتماع جمعية الدول الأعضاء في مقر الأمم المتحدة في نيويورك. وفي اول رد فعل على القرار، أعلن محامي كريم خان – عبر منصة “إكس” – ان موكله سيطعن في قانونية القرار، وسيسعى الى انصافه عبر كل السبل القضائية الممكنة.
ولعل قرار عزل المدعي العام السابق خان، يكشف عن بؤس وعقم الدول القائمة على حماية القانون والعدالة، التي رضخت ونخت كالنوق الواردة للذبح بين التهديد والبلطجة والرشوة والابتزاز الأميركي، مع ان العشرات منها في العلن أيدت اصدار المحكمة مذكرتي الاعتقال، ولكن هيهات ان تقف العديد منها على اقدامها امام تغول إدارة ترمب. وداعا للقانون والمحكمة والعدالة، لأن قانون وشريعة الغاب باتت سيدة القوانين في زمن الرئيس الأميركي ال 47.