بقلم د. سلامه محمود ابو زعيتر

سوسيولوجيا الإعلام الموجه، وهندسة الفوضى الإدراكية وكيّ الوعي الجمعي

نشرت في 03 يوليو 2026 12:00 ص

بقلم د. سلامه محمود ابو زعيتر

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/432159

بصراحة، مِما أسمعه وأتابعه عبر المواقع الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي، وخاصة الأخبار التي تكون مرجعيتها مؤسسات إعلامية وجهات أمريكية وإسرائيلية، نلاحظ خبثاً إعلامياً هادفاً لتحقيق نوايا سياسية محددة. وهو ما يؤكد أن صناعة هذه الأخبار وتوجيهها لا يتم في أروقة صحفية عادية، بل يجري هندستها داخل غرف الاستخبارات ومطابخ الهندسة الاجتماعية التابعة للاحتلال. كيف تحوّلت غرف التخطيط إلى مطابخ لتفكيك الشعوب؟ هناك، لم يعد التخطيط مقتصراً على الخطط العسكرية وحسب، بل يرتكز بالأساس على أبحاث علماء الاجتماع، والمختصين النفسيين، وخبراء سيكولوجية الجماهير الذين يطبخون السموم الإعلامية الموجهة بدقة نحو وعي المجتمعات العربية وتماسكها. إن سوسيولوجيا الإعلام في سياقنا العربي لم تعد مجرد ترف أكاديمي لدراسة علاقة الوسيلة الإعلامية بالجمهور، بل تحولت إلى أداة اشتباك حقيقية. وما يجهله الكثيرون هو أن خلف كل منشور، أو تغريدة، أو مادة إعلامية تبثها مؤسسات ووسائل الإعلام التابعة للاحتلال، يقف "مطبخ اجتماعي وسياسي وتطبيقي" ضخم، يضم نُخباً من علماء الاجتماع إلى جانب وحدات الاستخبارات الرقمية (مثل الوحدة 8200). تتجلى مهمة هؤلاء العلماء في أبعاد غير عسكرية، بل هي "هندسة السلوك الجمعي العربي"؛ حيث يقوم علم الاجتماع في هذه الغرف بوظيفة معكوسة؛ فبدلاً من فهم المجتمع لبنائه، يجري تشريح البنية المجتمعية العربية، وتحليل نقاط قوتها (كالترابط الأسري والقبلي في فلسطين، ولبنان، وسوريا، ولاسيما في غزة) من أجل تحويلها إلى نقاط ضعف وثغرات قاتلة عبر إثارة النعرات والتحريش المستمر. تتعدد الأذرع التنفيذية لهذا المطبخ الاجتماعي، ويأتي على رأسها الإعلام الموجه باللغة العربية (مثل قناة وإذاعة "مكان" الإسرائيلية، وصفحات المنسق والمتحدثين الرسميين). هنا يترجم الإعلاميون أبحاث علماء الاجتماع عبر استراتيجية "التسلل الناعم" لتمرير السم في العسل من خلال أساليب مدروسة: • تضخيم السمات الفرعية ومحاولة تقسيم المجتمع الواحد إلى فئات (مسيحي، مسلم، درزي، بدوي، مدني) والتركيز على الخلافات البينية لإحلال الهوية الفئوية الضيقة مكان الهوية الوطنية الجامعة، وهي الغاية السياسية الأهم لتفتيت الجبهات المتلاحمة. • أنسنة المحتل وشيطنة الأخ بتصوير الاحتلال ككيان حضاري ومتعاطف، مقابل إبراز النزاعات العصبية والجرائم الداخلية في المجتمعات العربية لإشعار المواطن بالإحباط من محيطه وشريكه في الوجود. نموذج "البالونات الإعلامية" لإدارة الفوضى الإدراكية: لقد وظف الاحتلال بالتنسيق مع حلفائه الدوليين السياسة الإعلامية القائمة على إطلاق "البالونات الإعلامية" والتصريحات الاستباقية المتناقضة (كما حدث في كواليس "صفقة القرن" أو ما يجري بثه حالياً من تسريبات حول غزة ولبنان وسوريا... إلخ). هذه البالونات لم تكن عشوائية، بل كانت أداة ضغط سياسي صيغت بناءً على دراسات سيكولوجية الجماهير بهدف: 1. جس نبض الشارع العربي بقياس ردات الفعل الشعبية قبل اتخاذ أي خطوة فعليّة. 2. إثارة التخبط والانقسام ودفع النخب والجماعات إلى الانقسام الفوري ومهاجمة بعضهم البعض بناءً على تصريح "احتمالي"، مما يستهلك طاقة المجتمع في معارك وهمية. 3. فرض سياسة الأمر الواقع وكي الوعي الجمعي وإدخال العقل الجمعي في حالة من الذهول والتعب النفسي عبر عمليات ممنهجة لـ "كيّ الوعي"، حتى تصبح التنازلات الكبرى مع الوقت أمراً عادياً ومقبولاً. الغايات السياسية من تدمير النسيج الاجتماعي: إن إشعال النعرات العصبوية والقبلية والطائفية عبر توظيف أبحاث علم الاجتماع يضمن للاحتلال تحقيق أهداف استراتيجية دون مجهود عسكري مباشر: • إنهاك القوى الحية: فعندما تنشغل الشعوب بصراعاتها الداخلية وثاراتها الضيقة، تتبدد طاقاتها وتضعف قدرتها الجماعية على مواجهة المخططات الحقيقية. • غياب البوصلة: فغرق المجتمع في "العصبية" يعمي الأبصار عن العدو المشترك، ويجعل البوصلة تتجه نحو الداخل بدلاً من توجيهها نحو المحتل. • تشتيت القرار السياسي: باتخاذ قرارات ومواقف مترددة وغير متزنة تضعف الموقف التفاوضي وتدفع لمزيد من الخسائر والتنازلات؛ فكل تأخير يليه مزيد من المطالب والتنازلات السياسية وغيرها. حصانة الوعي هي الدرع: أمام هذا التوظيف الاستخباري الممنهج لعلم الاجتماع، لم يعد الوعي مجرد رفاهية، بل بات خط الدفاع الأول. وإن مواجهة هذه السموم تتطلب تفكيكاً فورياً للخلفيات السياسية وراء كل خبر، وإدراكاً بأن كل دعوة تثير نعرات، وعصبية، أو تفرقة هي بالضرورة "قذيفة سوسيولوجية" خرجت من مطبخ الاحتلال لتدمير مستقبلنا بأيدينا. لذا، من العقلانية بمكان التحكم بردات الفعل أمام الأخبار المفبركة، والوعي بأن المواقف في الفترة الأخيرة (خاصة تجاه غزة) تُبنى على معلومات تبثها مؤسسات فاقدة للمصداقية تخدم سياسات ومخططات بعيدة المدى. والواجب اليوم أن تستند بوصلة الوطنية والعربية إلى بيانات، وأرقام، وإحصائيات ذات مصداقية، وأن تدرك الحيل الإعلامية وتحبط محاولات شيطنة الإنسان الفلسطيني والعربي. كما يتطلب الأمر تفعيل أدوات "التربية الإعلامية والرقمية" في المدارس والجامعات العربية، إلى جانب تكثيف دور النخب الفكرية والمؤسسات الوطنية لبناء مظلة فكرية مضادة، قادرة على تفنيد روايات الاحتلال وحماية الحصانة المجتمعية.