نشرت في 23 يونيو 2026 10:53 ص
https://khbrpress.ps/post/431814
ثمة شواهد جديدة تدل على فشل الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران. لا تعزز الشواهد الجديدة فرضية الفشل وحسب، بل وتدل على تحسّن الوضع الإستراتيجي العام لإيران في الشرق الأوسط، أيضاً. نكتفي، هنا، بشاهدين هما مد حدود الدم الإيرانية إلى لبنان، وتفعيل السيطرة على مضيق هرمز بكامل أبعادها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
لكلا الشاهدين دلالات إستراتيجية بعيدة المدى. فلنفكر فيهما، إذاً، كعنوانين رئيسَين على خطوط التماس بين التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي ـ الإبراهيمي من ناحية، وإيران وحلفائها من ناحية ثانية. وفي سياق كهذا، يمثل التصعيد الإسرائيلي في لبنان، منذ توقيع مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، وسيلة إيضاح لإرادة الفصل بين الجبهتين اللبنانية والإيرانية، وإستراتيجية إرغام الإيرانيين على الانكماش وراء حدودهم.
ومع هذا في البال، لن يكون التصعيد المذكور هو الأخير، ولن نقتصر محاولات إجهاض المفاوضات، والتفاهمات، الأميركية ـ الإيرانية على التصعيد العسكري في جنوب لبنان. ومن المُنتظر أن تكون واشنطن نفسها ساحة رئيسة من ساحات حرب الإجهاض، بالمعنى السياسي للكلمة. ومن المُنتظر، أيضاً، أن نشهد عمليات مد وجزر، ونجاح وفشل على مدار فترة طويلة من الوقت. وقد شهدنا عيّنات من هذا وذاك على مدار أسبوع مضى.
توسيع حدود الدم الإيرانية أمر مثقل بدلالات إستراتيجية مُفزعة لأعضاء التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي ـ الإبراهيمي. ولعل دلالتها الأهم فقدان إسرائيل، للمرّة الأولى بعد 1967، لعنصر المبادرة، وحرية الحركة في العالم العربي، والشرق الأوسط بشكل عام. فالتصعيد على الجبهة اللبنانية، مثلاً، قد يُقابل بتصعيد مضاد في صورة هجوم على قواعد أميركية، أو إبراهيميات، علاوة على تهديد منشآت حيوية في إسرائيل نفسها.
من المُستبعد أن تشمل حدود الدم غزة، أو الضفة الغربية في وقت قريب، لأسباب يطول شرحها. ومع ذلك، تستمد محاولة إرغام إيران على الانكماش وراء حدودها، على إدراك مُفزع من جانب الأميركيين والإبراهيميين لحقيقة أن قواعدهم ومنشآتهم الحيوية صارت على رأس قائمة الرهائن، وعلى إدراك مفزع من جانب الإسرائيليين أنفسهم لحقيقة أن في مجرّد تحويل حدود الدم إلى عملة قابلة للتداول في سوق السياسة والأفكار، ما يفتح أفقاً للتفكير في حدود وجبهات إضافية. وفي سياق كهذا، يبدو الصراع التركي ـ الإسرائيلي المكشوف مسألة وقت فقط.
وماذا عن الشاهد الثاني، أي تفعيل السيطرة الإيرانية السياسية والعسكرية والاقتصادية على مضيق هرمز؟ لا تقل محاولة إجهاض المسعى الإيراني أهمية وخطورة ودلالة، بالمعنى الإستراتيجي للكلمة، عن إجهاض مشروع خارطة جديدة لحدود الدم. ومن حسن الحظ أن لدينا ما يسهم في توضيح شاهد هرمز بطريقة مقارنة، أيضاً. فورقة السيطرة على مضيق هرمز تشبه ورقة الحظر النفطي في حرب العام 1973.
لسنا، هنا، بصدد تحليل ورقة النفط، ولا الكلام عن أسرار الحظر النفطي. كل ما في الأمر أن مجابهة ورقة النفط من جانب الأميركيين والإسرائيليين، لم تقتصر على ساحة بعينها، واحتاجت وقتاً طويلاً قبل طرد سلاح النفط، بالتعاون مع بعض منتجيه، من معادلة الصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي. وهذا ما استدعى تعديلات ثقافية عميقة على بنية القيم، ومفاهيم الصراع، ومركزية المسألة الفلسطينية في سياسات العالم العربي، والعلاقات الدولية، وانتهى بكارثة الثقافة السائدة.
بمعنى أكثر مباشرة، لورقة هرمز دلالات سياسية وثقافية أبعد من قيمتها الاقتصادية، وفائدتها العسكرية. لذا، يمثل توظيفها من جانب الإيرانيين تحدياً لثقافة المصالح، التي وُلدت وتكرّست في العالم العربي في سياق فض العلاقة بين النفط والسياسة، وبين النفط وفلسطين.
على أي حال، تبقى مسألة أخيرة اقترنت بأحداث أسبوع مضى، وبالشاهدَين المذكورَين في هذه المعالجة. فالغالب في تعليقات وتحليلات المعلّقين في الشرق والغرب، على حد سواء، يتمثل في حصر سياسات التصعيد ومحاولات إجهاض حدود الدم الإيرانية الجديدة بشخصية نتنياهو. وفي السياق نفسه، حصر ملابسات الحرب الأميركية ـ الإيرانية، في شخصية ترامب.
نلجأ إلى هذا النوع من الاختزال، أحياناً، لأنه يعفي من الاستطراد. ومع ذلك، ينطوي حصر السياسة، بما تعني من خيارات وأفعال وتصوّرات، في شخص بعينه، على مجازفة الفشل في تشخيصها بطريقة موضوعية. فعلى الرغم من إمكانية تحليل دوافع نتنياهو استناداً إلى معطيات شخصية، متوفرة ومتداولة، إلا أن المعنى العميق لسياساته، وفي القلب منها الحرب على إيران، يجد ما يفسّره في عوامل موضوعية تمس بنية الدولة والمجتمع الإسرائيليَّين.
وهذا يصدق على ترامب وسياساته، أيضاً. فثمة الكثير من المعطيات الشخصية المتداولة، والتي يمكن في حال توظيفها رسم صورة كارثية وكاريكاتورية لحربه على إيران، وعلاقته بنتنياهو، وسياسته في الشرق الأوسط، إلا أن المعنى العميق للحالة الترامبية بوصفها سياسة، يجد ما يبرره ويفسره بعوامل موضوعية وثيقة الصلة بالدولة والمجتمع الأميركيَّين.
ومع هذا في البال، تفقد الكثير من التحليلات الساعية إلى تحليل العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية على خلفية العلاقة بين هذين الشخصين، ما تستدعي العلاقة نفسها من تعقيدات وظلال لا غنى عنها. بقدر ما أرى، أعتقد أن ترامب محكوم بمعادلات للقوة، علاوة على تصوّرات شخصية، تُرغمه على عدم الذهاب بعيداً في استعداء نتنياهو. وأسوأ ما ترتب على هذه الحرب من نتائج أنها أوقعته، فعلاً، في شر أعماله. فاصل ونواصل.