نشرت في 10 مارس 2026 10:28 ص
https://khbrpress.ps/post/427608
قلنا إن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران تستهدف إسقاط النظام، وإن هذا الهدف وثيق الصلة بالصعود الإقليمي للقوّة الإسرائيلية، التي لن يبقى في وجهها سوى القوة التركية في حال نجحت في تفكيك القوّة الإيرانية.
ونحتاج اليوم للكلام عن «الرواية» الإسرائيلية، أي المسوّغات السياسية والأيديولوجية، التي تفسر وتبرر طموحاً إسرائيلياً بمعايير فاوستية، تماماً، للصعود في، والهيمنة على، إقليم الشرق الأوسط. وهذا هو طرف خيطنا الثاني.
ولعل أفضل بداية، في هذا الشأن، صورة نشرها مكتب نتنياهو يوم بدء الحرب على إيران، في الثامن والعشرين من شباط الماضي، ويبدو فيها المذكور متحدثاً بالهاتف مع شخص قيل إنه دونالد ترامب.
هذا النوع من الصور مُتفق عليه، وجزء من البضاعة الدعائية للحرب.
وهذه الصورة، بالذات، رسالة بصرية مفادها أن الحرب إسرائيلية ـ أميركية مشتركة، وقد تكون توثيقاً للحظة شن الهجوم، أو الاتفاق على ساعة الصفر.
لذا، لكل ما يبدو في الصورة من تفاصيل بصرية دلالة نجمت عن تصوّرات وهندسة دعائية مُسبقة.
ومع هذا في البال، لم يفشل غلاف كتاب على طاولة نتنياهو في لفت أنظار المُعلّقين. كان كتاباً جديداً عن الحرب العالمية الثانية لمؤرخ بريطاني شاب يُدعى تيم بوفري بعنوان «الحلفاء في الحرب: كيف أسهم الصراع بين قوى متحالفة في تشكيل الحرب والعالم».
وقد نجح هؤلاء في تفسير ظهور الكتاب كرسالة ضمنية مفادها أن الحرب التي يخوضها الحليفان الأميركي ـ والإسرائيلي في الشرق الأوسط الآن، تشبه الحرب التي خاضها الأميركيون والبريطانيون والسوفيات في الحرب العالمية الثانية، بعد النتائج الكارثية لسياسة استرضاء ألمانيا النازية، التي اتبعتها القوى الأوروبية، في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي، لتفادي خطر الحرب.
على أي حال، غاب عن أعين المُعلّقين أن تيم بوفري هذا مؤرخ يميني محافظ، وأن عودة اليمين التصحيحية إلى تاريخ الحرب العالمية الثانية (بل وحتى إلى حروب التوسع الكولونيالي) تندرج في إطار موجة أيديولوجية تستهدف إعادة الاعتبار إلى فكرة الحرب، وسياسات القوّة، لإخراج الحضارة الغربية من «مأزقها» الراهن.
وما يعنينا من هذا كله أن الحرب على إيران، وكل ما يتصل بتجليات صعود القوّة الإسرائيلية، على مدار عقود قليلة مضت، لن تكون مفهومة في معزل عن الموجة المذكورة التي يمثل الإسرائيليون برهانها الحي، ومسرح عملياتها، ومركز ثقلها العسكري، ومنبرها الإعلامي.
وما يعنينا من هذا، أيضاً، أن تشبيه إيران الحالية بما كانت عليه ألمانيا النازية، عشية الحرب العالمية الثانية، يمثل عصب المرافعات السياسية والأيديولوجية، التي لم يكف نتنياهو عن ترديدها منذ صعوده في حقل السياسة الإسرائيلية في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
سبق وتكلمنا عن نتنياهو وأجندة المحافظين الأميركيين الجدد السياسية في الشرق الأوسط المعنونة «قطع نظيف»، التي رافقت ظهوره في الحقل المذكور.
لذا، لا ضرورة للتفصيل، بل يكفي التذكير بالوثيقة، والقول إنها كانت ضد فكرة «السلام مقابل الأرض» وإنهاء الصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي.
وعلى مدار ثلاثة عقود، هي عمر نتنياهو في حقل السياسة الإسرائيلية، تحوّلت صناعة الغول الإيراني، والتحذير منه، من مجرّد فزاعة غير مُتقنة بالمعنى السياسي والأيديولوجي، وما يستدعى هذا وذاك من تواريخ وهمية ومراجعات، إلى «رواية» لا تشكو وفرة المرافعات، والشواهد، والشهادات.
ومن سوء حظ العالم العربي أنها لم تعد صناعة إسرائيلية ـ أميركية، بل تحوّلت إلى صناعة عربية، أيضاً، فتم إحياء واختراع انقسامات وهمية «سنية» ـ «شيعية» وتحويلها إلى روافع لانقسامات وصراعات اجتماعية وسياسية.
ومن اللافت، أيضاً، أن التجليات الداعشية للإسلام السياسي «السني» كانت وما زالت من بضاعة خطوط الإنتاج، التي وجدت في مجتمعات الإبراهيميين بيئة أيديولوجية صالحة، وفي حواضر سادت ثم بادت جنوداً متأهبين.
سنتكلم في معالجات لاحقة عن الدلالات السياسية والأيديولوجية لمركزية الغول الإيراني المتوّهم في التأويلات النتنياهوية (وتأويلات اليمين الأوروبي والأميركي) لصعود القوّة الإسرائيلية.
وهذا يقود، بدوره، إلى القبض على المعنى الحقيقي للحرب و»السلام» الذي يلي القضاء عليه.
كل ما في الأمر، الآن، أن هندسة الصورة، وصورة الكتاب على الطاولة، يفردان لنتنياهو دور تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني في زمن الحرب العالمية الثانية، ويرفعان ترامب إلى مرتبة فرانكلين روزفلت، الرئيس الأميركي الذي قرر الانخراط في الحرب دفاعاً عن أوروبا، وتحققت على يديه رهانات تشرشل، ومفادها أن الانتصار على النازية مشروط بانخراط أميركا في الحرب.
ومع هذا في البال، لا يصعب تخيّل ما تستدعي المقارنة مع روزفِلت من أوهام القوة وجنون العظمة في نفس ترامب النرجسي المريض بنفسه، الذي ينشر على صفحات التواصل الاجتماعي صوراً صنعها الذكاء الاصطناعي، يبدو فيها في زي السوبرمان وغيره من أبطال المسلسلات والرسوم الكاريكاتورية.
ومن الحماقة، بالتأكيد، رؤية نتنياهو في دور تشرشل، وإعادة إنتاج وتأويل الصراع في فلسطين وعليها، والشرق الأوسط وعليه، منذ أواخر القرن التاسع عشر، بمفردات ومرافعات التاريخ الأوروبي، والصراع في أوروبا وعليها في النصف الأوّل من القرن العشرين.
ومع ذلك، فإن هذه هي دلالة الكتاب على الطاولة، وهذا هو معنى «السلام» الموعود. فاصل ونواصل.