بقلم نبيل عمرو

عباس على خط الدفاع الأخير

نشرت في 17 مايو 2026 12:31 م

بقلم نبيل عمرو

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/430395

منذ أكثر من عشرين سنة، لم ألتق الرئيس محمود عباس على انفراد، إلا أن الأمر لم يصل حدّ القطيعة، فقد التقيته عدة مراتٍ في مناسباتٍ عامة، كالمجلس الوطني، ومؤتمر فتح السابع. ورغم خلافٍ أملى هذا التباعد، إلا أننا لم نتخلى عن مفردة الصديق في التخاطب.

شاركته مجازفة أول حكومةٍ ترأسها في عهد عرفات، ولم تعمّر سوى أشهرٍ قليلة، وحين تولى الرئاسة بعد رحيل عرفات، عملت معه مستشاراً إعلامياً وثقافياً، ثم سفيراً لدى جمهورية مصر العربية، وكانت هذه الوظيفة هي الأخيرة في عهده.

كنت تابعت عن بعد التحضيرات التي بدأت منذ إعلان موعد عقد المؤتمر الثامن، ولم تتوفر لديّ معلوماتٌ كافية، عن ما يجري، وقد طلبت لقاءً معه، لعلني أعرف جديداً عن مؤتمرٍ كان ينبغي أن يُعقد قبل خمس سنوات، وقد حُدد لي موعدٌ على السابعة مساء الأحد، أي قبل ثلاثة أيام من الموعد الرسمي لافتتاح المؤتمر.

كان عُرف أن المؤتمر الثامن بلغ عديده ألفين وخمسمائة عضو، وحال انضمام مجموعة دحلان ربما يصل إلى أربعة آلاف، وكان الأشقاء المصريون المعنيون دائماً في إنهاء الخلافات الفلسطينية بذلوا جهداً لإغلاق الملف، إلا أن الذي حصل أخيراً هو أن الإضافة لم تحدث وبقي عدد المؤتمر على حاله مع زياداتٍ طفيفةٍ تقدّر بالعشرات.

رحبّ بي كصديق، وسمعت منه عرضاً لما فعل ولما سيفعل، كان متفائلاً بالمتغيرات الإيجابية التي حدثت بالنسبة للقضية الفلسطينية، على الصعيد الدولي، ومنها الاعترافات، وتحدث بارتياحٍ عن جهوده المثمرة على الساحة الامريكية، التي يقوم بها المجلس الذي أسسه ورعاه، أو بعث الحياة فيه "كلوبي" فلسطيني داخل أمريكا، وتحدث باستفاضة عن جهده في مجال الإصلاح الداخلي، بدءاً برعايته لمؤتمر الشبيبة الفتحاوية، ثم إجراء الانتخابات المحلية، والعمل على انجاز دستور الدولة، والانتخابات المزمع إجراؤها للمجلس الوطني.

قمت بمداخلةٍ حول هذا الأمر، إذ قلت إن هذه الإجراءات بالغة الأهمية، إلا أن ما هو أكثر أهميةً منها جميعاً هو الانتخابات التشريعية والرئاسية، وأشدت بمكالمته التي أجراها مع رئيس وزراء كندا الذي أبلغه فيها جاهزيته لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في أقرب فرصة.

ذلك أن هذه الانتخابات التي هي استحقاقٌ وطني يُنظر إليها على أنها البوابة الرئيسة للإصلاح المنشود، الذي يحتاجه الفلسطينيون ويحترمه العالم، وأكّد موافقته على ما قلت، وأضاف إنه ضمّن خطابه الذي سيلقيه في افتتاح المؤتمر هذه النقطة بالذات، وهذا ما حدث فعلاً.

استغرق اللقاء أكثر من ساعة، ومن خلال لغة اللسان ولغة الجسد، باح بما يقلقه من انسدادٍ في الأفق السياسي، واشتداد الأزمة المالية وصعوبة الجهد الذي تبذله الحكومة لتوفير نسبةٍ متناقصةٍ من الرواتب، وتحدث بأسى عن التأثير السلبي المباشر على القضية الفلسطينية جرّاء الحرب على إيران، التي قللت من الاهتمام الدولي بفلسطين، بما في ذلك مسار الحل بشأن غزة.

كنت قبل اللقاء أوضحت لصديقٍ مشترك عن ترددي في حضور المؤتمر الثامن، مع أنني شاركت في أربع مؤتمراتٍ سبقته اثنان في المنفى تحت رعاية عرفات، واثنان في الوطن تحت رعايته، وخشية الظنّ بأنني أريد رأيه في المشاركة والترشح لموقعٍ أو أريد دعمه، فقد اكتفيت بما سمعت منه حول المؤتمر مع تحفظي على كثرة العدد.

استمعت إلى خطابه المطوّل في المؤتمر، كان رغم محاولته الصعبة في إظهار الثقة برسوخ مكانة فتح وثوابت الكفاح الوطني الفلسطيني، إلا أن الخطاب كان مريراً بالقدر الذي جسّد صعوبة الحالة الفلسطينية، وانعدام الفرص الحقيقية لفتح مسارٍ سياسي، لعله يُنقذ ما يُمكن إنقاذه من بقايا أوسلو، وهنا بدا أقرب إلى المستحيل إيجاد عباراتٍ تشي بتفاؤلٍ واقعي، بفعل انفراجة سياسيةٍ ومالية.

في مشهدٍ مألوفٍ عن المؤتمرات الفتحاوية، جرت مبايعة عباس لمواصلة قيادة المسيرة، وقيل إن هذه المبايعة عززت قبضته على حركته، مع أنه ليس بحاجةٍ لذلك، لأن ولاء المؤتمر لرئاسته لا يحتاج لاستفتاء، فما يحتاجه الناس لا يستطيع عباس تلبيته، فمن أين له فتح مسارٍ سياسي، بينما الإسرائيليون يحاربون على سبع جبهاتٍ هدفها منع قيام دولةٍ فلسطينية، ومن أين له تخليص أموال الفلسطينيين التي استولت عليها حكومة إسرائيل، تحت سمع وبصر العالم، ومن أين له العصا السحرية التي تعيد فتح إلى مكانتها القديمة في الساحة الفلسطينية، وتستعيد وحدة الوطن والشعب، التي ضُربت في الصميم جرّاء انقلاب حماس عليها.

إن عباس يقف الآن على خط الدفاع الأخير للحفاظ على ما تبقى، وسيكون فعل أمراً مهماً لو بقيت السفينة صامدةً في مكانها، ذلك أن أمامها مضائق يصغر معها مضيق هرمز، ووراءها بحرٌ مكتظٌ بالألغام وأسماك القرش.

هذا هو الحال في هذه المرحلة بالغة الصعوبة والخطر على الجميع وليس على الفلسطينيين وحدهم.