الكاتب: عاطف أبو سيف

غزة وتفكيك النظام السياسي الفلسطيني

نشرت في 18 يناير 2026 10:40 ص

الكاتب: عاطف أبو سيف

وكالة خبر



 

الآن باتت لدينا لجنة تدير شؤون غزة ومجلس سلام ومجلس تنفيذي والأهم مندوب سامٍ.
كل هذا بعد سنتين ونيّف من حرب إبادة راح ضحيتها أكثر من واحد وسبعين ألف شهيد وتم خلالها محو قطاع غزة بشكل شبه كامل.
هذه خلاصة ما جرى. سابقاً كان لدينا مجلس تشريعي وحكومة ورئيس وكان كل شيء فلسطينياً خالصاً، الآن صار يحكمنا مندوب سامٍ ومجلس سلام دولي ومجلس تنفيذي يقرر للجنة التي تدير شؤون الناس كيف تحكم وماذا تفعل وأيضاً من المؤكد ماذا تقول.
أما أعضاء اللجنة فلا حول لهم ولا قوة وهم في آخر المطاف مثل أي مواطن يرى في إسعاف ما تبقى من الحياة واجباً لا بد من القيام به.
أما السبب عن كل ما جري ويجري فهو أساس كل شيء.
بتنا الآن أمام سياق جديد. سياق تم فيه إخراج غزة من مظلة النظام السياسي الفلسطيني وصارت تحت وصاية دولية وحكم خارجي.
بسهولة يمكن تجميل ما جرى وتقديم جرعات من التفاؤل التي لا تعدو أكثر من خداع، لكن يصعب تفسير النتائج على الأرض بأقل من حقيقتها.
لا أحد يعرف ما الذي كان يضر حماس لو وافقت على تخويل الرئيس محمود عباس تشكيل لجنة وطنية تتبع الحكومة الفلسطينية برئاسة أحد وزراء الحكومة.
لا أحد يعرف لماذا لم تفوت حماس فرصة لإفشال أي حوار وطني يقود إلى بسط ولاية السلطة على غزة واستعادة وحدة المؤسسات الوطنية العاملة في القطاع.
لا أحد يعرف لماذا كافحت حماس من أجل استبعاد المنظمة والسلطة وفتح عن أي مستقبل لغزة ولا كيف عملت طوال سبع عشرة سنة على تعذيب قيادة فتح وزجها بالسجون واغتيال النشطاء وتضييق مساحة الحريات والتصرف كاحتلال يمنع من السفر وغير ذلك.
لا أحد يعرف كيف أصرت حماس على تجريد غزة من أي أفق وطني وهي ترى كل شيء ينحدر لهاوية لا قاع لها وواصلت إصرارها على مصافحة ويتكوف حتى لو كان ثمن هذه المصافحة منح الذئب الغنم كاملاً.
هل يعرف أحد كيف وصلنا إلى هنا، إلى هذه النقطة التي بات فيها تشكيل مجلس سلام ووصاية على غزة وتعيين مندوب سامٍ انتصاراً وطنياً؟
كيف صار الحفاظ على الخط الأصفر التزاماً بالصواب والاحتجاج على تجاوز قوات الاحتلال له خرقاً للتفاهمات؟
هل يمكن لأحد أن يقول لنا صراحة ودون بلاغة الخطباء ما هي هذه التفاهمات التي تمت تحت الطاولة؟
أيضاً لا أحد يملك إجابة أو أن الإجابة لا تجيب عن شيء لأنها تعني كشف المستور وفضح التخاذل.
الآن لم يعد لدينا نظام سياسي فلسطيني واحد. دخلنا مرحلة جديدة من مراحل تفكيك النظام السياسي وتشظي الحالة الوطنية.
سابقاً كانت حماس كقوة أمر واقع تسيطر على غزة بعد أن أراقت دماء أكثر من سبعمائة من منتسبي الأجهزة الأمنية وأعملت المذابح والمجازر بحقهم مثلما حدث في موقع قريش وحكمت غزة بالنار والحديد، ومع ذلك كان يتم النظر لذلك ضمن منظور الصراع الداخلي (رغم عدم اتفاقي مع هذا المنظور) وكان ثمة حالة وطنية واحدة وإن لم تكن متجانسة، كان ثمة حوار وطني وإن استخدمته حماس لإطالة عمر الانقسام وإدارته بما يخدم مصلحتها في مواصلة حكم غزة، الآن اختلف الأمر بشكل كبير.
سلمت حماس مفاتيح غزة لوصاية دولية وعن طيب خاطر، كما يبدو قبلت أن يتم تنصيب مندوب سامٍ على القطاع بدل أن تطلب من القيادة الفلسطينية أن تباشر عملها بلا عراقيل، بل إنها تقول بوضوح إنها ستسهل وتعمل على نجاح الترتيبات الجديدة،
على هذه الصفحة قلنا أكثر من مرة إنه لم يعد هناك «قضية فلسطينية»، بل هناك «قضايا فلسطينية»، والآن بات الأمر راسخاً.
هذا ليس ما نريده بل ما تسعى إليه إسرائيل وما تعمل وفقه الولايات المتحدة.
لاحظوا كيف يتم تغييب السلطة الفلسطينية عن أي شيء له علاقة بمستقبل غزة، ويتم الأمر ضمن رؤية واضحة وساهمت بها حماس لأنها غلّبت التناقض الثانوي على التناقض المركزي. ولكن صديقي اللئيم قال لي مرة إنني أفهم الأمور بشكل خاطئ فتناقض حماس المركزي هو في الحقيقة مع الحركة الوطنية وبالتالي لا يوجد تغليب لتناقض على الآخر بل تصور وبرنامج يتم العمل وفقه بجد واجتهاد.  
ومع ذلك فإن افتراض الخطأ لذاته يصيب وعينا في مقتل.
العالم الآن يتعامل مع الوضع الفلسطيني وفق سياقات مختلفة.
بمعنى لم يعد ينظر لوجود مشكلة واحدة هي جوهر الأزمة والصراع بل هناك مشاكل وكل مشكلة منها يمكن حلها وفق تصور منفصل.
تماماً كما حدث في حالة غزة. غزة بحاجة لإعادة إعمار وترتيبات إدارة محلية (لاحظوا ترامب وفريقه يستخدمون كلمة حكومة في الإشارة للجنة غزة) منزوعة من أي دسم سياسي (لا يمكن فهم كيف لا يتم وضع علم فلسطين في اجتماع اللجنة، لا يقوم أحدكم بتقديم تبرير لأن وجهة النظر في هذا الأمر .. وبقية الجملة).
أما السلطة الفلسطينية! فهذا سؤال كبير. يجب عدم الركون لأي وعود أميركية إذ لا يمكن أن تقبل بطمأنة الذئب بأن دجاجاتك بأمان وستظل سالمة.
يجب وضع تصور وطني حقيقي لكيفية استعادة وجود السلطة في غزة وترجمة قوة تنظيم فتح في أطره المختلفة في غزة لقوة دفع في هذا الاتجاه.
صحيح أن الناس منهكة ومتعبة وتريد الخيمة الآن وتريد رغيف الخبز وتريد المستشفى والمدرسة وتريد حياة كريمة بعدما أهانتها حروب حماس الدونكيشوتية، وبالتالي فهي مع أي ترتيبات توفر لها حياة أكثر أمناً وأكثر استقراراً مع بعض الأساسيات وليس الرفاهية، لكن تذكروا إنها غزة التي حافظت على اسم فلسطين حين اندثر بعد النكبة وهي غزة التي شكلت بعد سقوط يافا حاضنة لانبعاث الحركة الوطنية.
ولكن هذا يتطلب أن يكون عندنا رؤية ورؤية واضحة وأظن أننا لم نمتلك تلك الرؤية طوال فترة الحرب ولم نتعامل بالطريقة المطلوبة.