نشرت في 23 يونيو 2026 10:44 ص
https://khbrpress.ps/post/431812
عادة ما ارتبط نجاح أو فشل المرشحين الأميركيين للرئاسة أو للكونغرس بمدى قربهم من إسرائيل، وبمدى التزامهم بالدفاع عنها، ويتحدد ذلك بحجم دعم اللوبي الصهيوني لهذا المرشح أو ذاك، لكن لم يسبق أن تدخل أي من الأميركيين، ولا حتى قادة اللوبي اليهودي منهم، في الانتخابات الإسرائيلية، بحيث يدعمون هذا المرشح في مواجهة ذاك، لكن على ما يبدو أن الرئيس الأميركي «الإشكالي» والمثير للجدل دائماً، في طريقه لأن «يتدخل» في الانتخابات الإسرائيلية، وهو على أي حال، له أكثر من سابقة، فقد تدخل خلال ولايته الحالية في أكثر من بلد لاتيني، خاصة في انتخابات الرئاسة في هندوراس، حيث دعم علناً من فاز بالمنصب.
وحتى الأمس القريب، كان تدخل دونالد ترامب في الشأن الاسرائيلي الداخلي، إلى جانب رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو، وكان أن طالب الرئيس الاسرائيلي صاحب المنصب الشرفي، بتجاوز القضاء وإصدار عفو عن نتنياهو، المتهم في قضايا فساد، لكنه - الآن - تحول إلى عكس ما كان عليه قبل أسابيع أو أشهر، فقد بات يؤكد أن دعمه لنتنياهو لم يعد تلقائياً، بل صار مشروطاً بمدى التزام نتنياهو بورقة التفاهم بين أميركا وإيران.
يبدو أن الأمر لم يعد مشهداً مسرحياً، هذه المرة، كما كان يجري من قبل، بما عرف بالخلافات بين الرجلين حول تكتيك الحرب، أو ما كان يوصف بمحادثات حادة أو مشادات، قيل أحياناً إنها قد وصلت حد توجيه الشتائم من قبل ترامب لنتنياهو، ذلك أنه حين وصلت الأمور إلى لحظة «توقيع» مذكرة التفاهم مع إيران، والإعلان عن بنودها، صار الأمر مختلفاً، فمن المنطقي أن يكون»تسريب» ما كان يقال إنه خلافات بينهما، وقت التفاوض، يهدف إلى التأثير على المفاوض الإيراني، لكن بمجرد لحظة التوصل للاتفاق حول المذكرة، فإنه من الطبيعي أن يختلف الأمر، ومن المؤكد ألا يكون الشكل مسرحياً، ولا يكون الغرض هو التأثير على المفاوض الإيراني لانتزاع التنازل منه.
وبالمجمل كان واضحاً منذ التوصل لتفاهم وقف إطلاق النار، أن الجانب الأميركي نفذ أقصى ما يمكنه تنفيذه، أو ما هو مقتنع به، من عمل عسكري، وترامب قد وصل إلى أبعد مدى، أولاً بمنحه نتنياهو الضوء الأخضر لمهاجمة إيران عسكرياً في حزيران العام الماضي، على عكس الرؤساء الأميركيين السابقين، وآخرهم جو بايدن، الذي ظل نحو عامين يكبح جماح نتنياهو من شن هجوم عسكري إسرائيلي على إيران.
أما ترامب، فقد ذهب بعيداً على طريق نتنياهو، منذ ولايته السابقة، حين طوى صفحة اتفاق باراك أوباما مع إيران، وأخرج أميركا منه، ما سمح لإيران، برفع نسبة تخصيب اليورانيوم من نسبة 3،67% الخاصة بالأغراض السلمية، إلى نسبة 60% التي تقترب كثيراً من نسبة 90% اللازمة لصنع السلاح النووي، ثم منحه الضوء الأخضر لشن الحرب العسكرية على إيران في حزيران 2025، ولم يكتفِ بهذا، بل شارك في اليوم الأخير بعد اثني عشر يوماً من الحرب في قصف المفاعلات النووية الإيرانية، بما فيها «فوردو» المكان الحصين، لكنه اكتفى بهذا، لأنه ليس في وارد العقل الأميركي التورط في حرب طويلة الأمد، لا على طريقة فيتنام، ولا أفغانستان، ولا حتى العراق، وادعى حينها ترامب ونتنياهو معاً، أنهما قد حققا المطلوب، بتدمير برنامج إيران النووي، ومنصات إطلاق الصواريخ والمسيرات، واكتفيا بالتفرغ إلى جبهة غزة، وذلك بعد أن كانت حرب نتنياهو على لبنان قد انتهت عام 2024 باتفاق وقف إطلاق النار، وقد صبر ترامب على نتنياهو عاماً كاملاً، حتى توصل إلى وقف الحرب على غزة، وفق مبادرته.
لكن لأن استمرار بقاء نتنياهو في السلطة، وعدم فرط عقد ائتلاف الحزب الحاكم، كان مرتبطاً بالحرب منذ أن تشكلت حكومته الحالية بعد انتخابات العام 2022، بقي نتنياهو مصراً على مواصلة الحرب، وبعد أن كان يطالب بتحقيق جملة من الأهداف من الحرب على إيران، كان قطع الطريق على احتمال امتلاكها للسلاح النووي، أولاً، ثم صار يرفق بمطالب مثل إحباط برنامجها الصاروخي، ومنعها من إنتاج صواريخ يتعدى مداها 400 كم، ثم أضيف مطلب قطع صلتها بحلفائها الإقليميين، بعد كل هذا صار يطالب نتنياهو بإسقاط النظام الإيراني، حتى يقنع ترامب بأن تحقيق ذلك غير ممكن من خلال منح إسرائيل الضوء الأخضر لمهاجمة إيران فقط، بل من خلال المشاركة الأميركية الكاملة في الحرب.
وبعد عدة أشهر من القيام بحملة إعلامية، وبعد لقاء جرى في شباط العام الحالي، قام نتنياهو ومعه رئيس الموساد بتضليل ترامب، بتقديم وثائق، تشرح وجود خطة محكمة لإسقاط النظام الإيراني، من خلال توجيه ضربة عسكرية مشتركة، تتضمن اغتيال المرشد والقيادات السياسية والعسكرية الإيرانية، لإحداث الفوضى، وتهيئة إيران لاستقبال القوات الكردية المعارضة، التي كان الموساد يقوم بإعدادها على مقربة من الحدود الإيرانية، المهم أن ترامب لسبب أو لآخر، ذهب مع نتنياهو إلى شن الحرب على إيران، وقد سار على طريقه خطوة إضافية هذه المرة، حيث لم يكتفِ بتوجيه ضربة خاطفة، على طريقة «مطرقة منتصف الليل» التي كانت في حزيران 2025، بل شن حرباً قال منذ البداية بأنها ستستمر عدة أسابيع، ما بين 4 - 6 أسابيع، أي أن ترامب ظل يضع بينه وبين نفسه خطاً أحمر، أو حاجزاً، يمنعه من الانخراط في حرب مفتوحة أو طويلة الأمد.
وفعلاً، خاض ترامب حرباً لمدة ستة أسابيع، عقد في نهايتها اتفاقاً مؤقتاً لإطلاق النار، مدته أسبوعان فقط، وذلك يوم الثامن من نيسان الماضي، ولأنه اعتقد أن الضربات التي وجهها لإيران كانت موجعة، وأنها كافية لإخضاعها حتى تصبح «فنزويلا» ثانية، أي من ضمن حلفائه وتوابعه، بما يعزز من صراعه مع الصين، وجه لإيران عبر باكستان، ورقة الاستسلام، ولم يدخل ترامب مع إيران عبر الوسيط الباكستاني حالة من التفاوض، لكنه إزاء «استراتيجية الصبر» التي تتقنها إيران في ميدان المواجهة، وعلى طاولة التفاوض، سرعان ما وجد ترامب ظهره ملتصقاً بالحائط، ثم الأسوأ من ذلك كان الرد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، شريان ناقلات النفط والتجارة العالمية، بما انعكس على الداخل الأميركي، إن كان فيما يخص استطلاعات الرأي المعارضة للحرب، أو ما يؤشر على نوايا الناخبين في الانتخابات النصفية القادمة.
أدرك ترامب أولاً، حاجته الماسّة للخروج من ورطة الحرب، بحفظ ماء الوجه، وأدرك ثانياً، أن نتنياهو ليس من مصلحته وقف الحرب، حتى لو استمرت عشر سنين، كما أنه وقف عند ثبات إيران في المواجهة العسكرية والتفاوضية، وقد ظهر ذلك حين غير لغته من التهديد، إلى الإشادة بإيران وشعبها ومرشدها، لكل ذلك أخرج إسرائيل أولاً من دهاليز التفاوض، ولأن الإدارة الأميركية شهدت تباينات في الموقف من مواصلة الحرب، حيث كان في الجانب المؤيد للتفاوض كل من نائب الرئيس جي دي فانس، الطامح للترشح لمنصب الرئيس عام 2028، والذي بات يرى بأم عينه التحول الداخلي الأميركي ليس ضد الحرب فقط، بل وعلى طريق الانفضاض عن الانحياز الأعمى لإسرائيل، ومعه كان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، مقابل كل من مارك روبيو وبيت هيغسيث، فإن فانس ألقى بثقله، لدرجة أنه ذهب بنفسه إلى إسلام أباد ليفاوض محمد باقر قاليباف، وبعد أكثر من شهرين، من «التفاوض» مع الضغط بالتهديد ثم بالحصار، كان الوقت يعمل لصالح إيران، لأنه مع إغلاق هرمز، فإن التضخم يطرق باب البيت الأبيض يومياً.
وبمجرد التوصل لاتفاق الإطار، بدأت حملة تسريبات بنود المذكرة من قبل إسرائيل، و»طابورها الخامس» الأميركي، مترافقاً مع التهديد ومن ثم ضرب الضاحية الجنوبية لبيروت، وذلك لقطع الطريق على التوقيع على المذكرة، ما وضع ترامب في دائرة اللهب، فهو مضطر لأن يخرج كل لحظة ليعلن عدم صحة ما ينشر من مضمون لاتفاق الإطار، ومن جهة ثانية يحث الإيرانيين على التوجه بسرعة إلى سويسرا لتوقيع الاتفاقية، قبل أن ينجح نتنياهو في إفشال عملية التوقيع، لهذا تفتق العقل السياسي المحيط بالمذكرة، وعلى الأرجح هو الوسيط الباكستاني، باقتراح التوقيع الإلكتروني، وهذا كان يوم الأربعاء الماضي، بعد أن كان ترامب يتمنى أن يكون التوقيع واقعياً يوم الأحد الذي يصادف عيد ميلاده الثمانين، ليكون هديته، وما أن أعلن عن بنود المذكرة، حتى كان إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترتيش أداة نتنياهو لكيل الشتائم لترامب، فيما كان الرد الأميركي عبر فانس، بينما كل من ترامب ونتنياهو ما زالا يحافظان على شعرة معاوية بينهما.