نشرت في 05 أبريل 2026 12:06 م
https://khbrpress.ps/post/428728
ما نشهده اليوم في الضفة الغربية هو امتداد واضح لمنظومة استعمار استيطاني ممنهجة، تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع على الأرض بما يهدد الوجود الفلسطيني في جوهره. فتصاعد عنف المستوطنين، وهدم المنازل، وتوسيع المستوطنات، ومصادرة الأراضي. أدوات ضمن مشروع متكامل يهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، والواقع ان الضفة يجتاحها الاستيطان وغزة حصار وحرمان والقدس عزلة تامة، وكل فلسطيني مستهدف بالإعدام أو الاعتقال أو التجريم أو الحرمان من أبسط الحقوق في ظل تعتيم اعلامي عن الحقائق الديمغرافية والجغرافية التي تقوّض أي إمكانية حقيقية لتقرير المصير الفلسطيني.
نجح ترمب ونتنياهو في حربهما المفتوحة بحرف الانتباه وإعادة ترتيب الأولويات، رد الفعل الدولي على ما تقوم به دولة الاحتلال لا يزال دون مستوى التحدي. فالإدانات السياسية، والعقوبات المحدودة، لم ترتقِ إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة التي يشهدها الميدان. نحن أمام منظومة متكاملة من الخروقات، تشمل مصادرة الأراضي، واعتقال آلاف الفلسطينيين، والانتهاكات الواسعة بحق الأسرى، وهدم المنازل، والحرمان من الحقوق الأساسية، في مخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
ويبرز ملف الأسرى كأحد أكثر الجوانب تعبيرًا عن حجم هذه الانتهاكات، في ظل استمرار الاعتقال الإداري دون محاكمة، وتدهور ظروف الاحتجاز، ومنع الزيارات، إلى جانب طرح تشريعات خطيرة مثل قوانين الإعدام. ورغم توثيق هذه الانتهاكات في تقارير حقوقية متعددة، فإنها غالبًا ما تُقابل بردود فعل محدودة، تعكس فجوة واضحة بين النصوص القانونية الدولية وآليات تطبيقها.
في الواقع، لا تكمن المشكلة في غياب الأدوات القانونية أو السياسية، بل في غياب الإرادة لتفعيلها. فالمجتمع الدولي يمتلك وسائل ضغط متعددة، لكنه لم يستخدمها بالشكل الكفيل بإحداث تغيير حقيقي. هذا التراخي يكرّس واقع الإفلات من العقاب، ويمنح هذه السياسات الاستمرارية دون كلفة تُذكر.
ويرتبط هذا المشهد بشكل مباشر بالمناخ السياسي داخل إسرائيل، حيث بات الاستيطان والعنف يحظيان بغطاء سياسي واضح، ضمن خطاب يميني متطرف يزداد حضورًا وتأثيرًا، ما يزيد من احتمال انزلاق الضفة الغربية نحو مزيد من التصعيد. فتراكم العوامل -من عنف المستوطنين، إلى الاقتحامات المتكررة، ومصادرة الأراضي، وتوسع الاستيطان، إلى جانب معاناة الأسرى وغياب الأفق السياسي- يخلق بيئة قابلة للاشتعال في أي لحظة.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال تأثير السياقين الإقليمي والدولي. فمع انشغال العالم بأزمات وحروب أخرى، بما في ذلك التصعيدات الإقليمية، تتراجع درجة التركيز على ما يجري في الأراضي الفلسطينية، خصوصًا في غزة، حيث تستمر الانتهاكات والمعاناة الإنسانية. هذا التشتت في الانتباه الدولي يخلق مساحة تسمح بتكريس الاستيطان كأمر واقع، ويُضعف فرص المساءلة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأساسي: إلى متى يمكن الاستمرار في إدارة هذا الواقع دون معالجة جذوره؟ فالتجارب السابقة أثبتت أن غياب العدالة لا ينتج استقرارًا، وأن تأجيل الحلول لا يلغي الأزمات، بل يؤجل انفجارها. الحقوق الفلسطينية اليوم ليست على هامش المشهد، بل في صلبه. وما لم تتغير المعادلة القائمة -بإعادة الاعتبار للقانون الدولي، وتفعيل أدوات المساءلة، ودعم مسار سياسي جاد- فإننا نقترب أكثر من مرحلة يصعب فيها احتواء التداعيات، ليس فقط محليًا، بل إقليميًا ودوليًا.
ما يجري هو امتداد لصراع إقليمي يتجه من حروب الظل إلى مواجهات أكثر خطورة. تحاول إسرائيل توسيع دائرة الصراع للهروب من أزماتها الداخلية، وإعادة ترتيب أولويات المجتمع الدولي بما يبعد الأنظار عن واقع الاحتلال والانتهاكات في غزة والضفة الغربية. وبينما تتعامل القوى الدولية مع التصعيد بمنطق الإدارة لا الحل، تتعمق ازدواجية المعايير ويتكرس واقع الإفلات من العقاب. الخطر الأكبر هو تهميش القضية الفلسطينية، في وقت يُستخدم فيه التصعيد الإقليمي لتكريس الاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض. ومع ذلك، تبقى الحقيقة واضحة: لا يمكن تحقيق أمن إقليمي دون إنهاء الاحتلال.