بقلم اكرم عطااللة

فوضى السياسة.. الانتخابات والاتهامات!

نشرت في 18 أكتوبر 2026 11:42 ص

بقلم اكرم عطااللة

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/436701



 

من غرائب النقاش العام في الحالة الفلسطينية التي تغترب أكثر عن ذاتها بفعل أداء قوى متدنية الكفاءة سحبتها عقوداً للوراء أن يقال، إن الذين يطالبون بإجراء الانتخابات في موعدها يتساوقون مع الخارج .. هكذا هو الأمر ببساطة تماماً كما أي ناقد لحركة حماس يتساوق مع الخارج بل مع إسرائيل ـ وهذه محاولات الطبقة السياسية لإسكات أصوات باتت ترى فيها عبئاً على القضية الفلسطينية وهي بذلك تستخدم أقصى أساليب الهجوم بتكفير ناقديها وطنياً تمسكاً بامتيازات كانت قد حصلت عليها قبل عقدين، وهي تقاتل للبقاء بكل الأسلحة. ومن هنا، لم يكن من المصادفة توافق الحركتين الكبيرتين «فتح» و»حماس» بلا كثير من الجهد على تأجيل الانتخابات.
هي مجرد محاولة لتعطيل مسار التاريخ الصاعد باتجاه واحد، فالأحداث الكبرى تنتج انزياحات كبرى. وقد اختفت أحزاب ما قبل النكبة جميعها بفعل السياق الطبيعي للأشياء وانكشافها. وجاءت النكسة لتفسح المجال للجيل الجديد الذي يتزعمه ياسر عرفات وصحبه لوراثة منظمة التحرير وتحيل المرحوم أحمد الشقيري وطبقته للتقاعد، وكذلك ستفعل النكبة الحالية فعلها في إحالة من كان صانعها أو شاهداً عليها للتقاعد، ومن هنا، تستخدم الفصائل الفلسطينية كل مصداتها الدفاعية والنفسية مستخدمة كل الوسائل حتى لو كانت على نمط فريدناند أمير أراغون الذي كتب عنه ميكافيللي كتابه «الأمير» والذي تحفظ الذاكرة السياسية الشعبية عنه مقولة «الغاية تبرر الوسيلة». فماذا يعني أن تتهم الفصائل جزءا من شعبها بالخيانة والتساوق مع الأعداء فالمصلحة والسلطة تستحق بعض التضحية بجزء من الشعب.
المسألة هنا لا تتعلق بسجالات بعد إخفاقات قوى سياسية اكتسبت ثقة الشعب ذات زمن، بل بطبيعة العقد الاجتماعي بين مكونات المجتمع. إذ تشهد حالة من الفوضى غير المفهومة في إطار العلوم السياسية بل هي أقرب لحالة قبلية يمكن لعلم الاجتماع أن يتخذ دوره في دراسة ظاهرتها، وربما من الضروري أن يرافقه علم النفس لأن حالة الإنكار التي تمارسها الطبقة السياسية لا بد من دراستها وفق نظرياته التي تشبه خللا كبيرا في العقل القائم. فليس من المعقول أن نرى كل هذا الخراب الذي يحتاج إصلاحه نصف قرن وما زالت القوى التي صنعت هذا الخراب تصر على التمسك بمواقعها .. هناك شيء خطأ يستدعي التأمل فكرياً ونقاشه بصخب وعناد يشبه عناد الطبقة السياسية في تمسكها بامتيازاتها وربما يستدعي معركة ثقافية يستحضر فيها الشعب أسلحته الفكرية.
المجتمعات تتغير والكتلة الاجتماعية تشهد تحولات دائمة والأجيال تغترب، فالاهتمامات بينها لا تتشابه دوماً. فإذا كان الأبناء لا يجدون كثيرا من القواسم المشتركة مع الآباء في النقاش والأولويات، فكيف لأجيال جاءت وهي تجد طبقة سياسية أنتجتها لحظة زمنية قبل خُمس قرن وهو ما يصيب الأوروبيين بصدمة خاصة أن النظام الأساسي في فلسطين ينص على دورية الانتخابات. فحركة فتح من ناحيتها لم تكن ترغب بإجراء الانتخابات وهي تشهد تراجعاً خلال العقدين الماضيين فيما تراقب صعود الشقيق اللدود حركة حماس وهي ترسخ حكمها بغزة وتخوض معاركها مع إسرائيل تعلن عن نفسها بمهرجانات وانتصارات حتى وإن كانت وهمية لكنها أقرب للمخيلة العامة، ووسط تلك المناخات كان المطلب اليومي لحركة حماس بإجراء الانتخابات وانتقاد الرئيس الفلسطيني كمعطِّل وما أن قامت «حماس» بمغامرتها المدمرة وأنتجت كل هذا الخراب وإذ بها كما شقيقتها تخشى الانتخابات وتتفق بسرعة البرق مع الرئيس «المعطل».
أزمة التغيير في المجتمعات البدائية وتعبيراتها السياسية كحالة بدائية انعكاساً لها أن هناك صراعاً لا تضبطه القوانين حيث المجتمعات الديمقراطية. فمجتمعات القبيلة تحاول أن تتقدم بتثاقل ليتجلى الصراع بين جديد لا يعرف كيف يتقدم وقديم يرفض أن يغادر. وتصبح المسألة أكبر تعقيداً حين يتأخر الجديد في الولادة ويصر القديم على وأد كل جديد وتشويه كل قابلة تحاول مساعدة المولود ... القابلة تتساوق مع الأعداء وهي أكثر التهم انتشاراً في الحالة الفلسطينية لدرجة أصبحت جزءا من ثقافة الفصائل والطبقة السياسية. في البدايات، كانت تطلق لمحاولة النيل من معارضين لكن مع الزمن صدّقت الفصائل نفسها وأصبحت تلك من أدبياتها السياسية، وهذا جزء من مأساة شعب لم يعد يعرف من أين تأتيه الطعنات من العدو أم من بروتوس فقد تشابهت عليه الخناجر.
المسألة أكثر تعقيداً بسبب تداخل الوطني بالمطلبي وبتدخل الاحتلال الفاعل الأول في الداخل الفلسطيني بعد فقدان المناعة الوطنية لهندسة كل شيء، ألم يجرِ نقاش في المجلس الوزاري الإسرائيلي حول اقتراح تسليم الضفة لحركة حماس؟ هكذا بكل بساطة كما سلمت قطاع غزة، إذا كان الأمر كذلك دون أن يصيب «حماس» بأي شكل من الحرج الوطني وجميعنا يعرف على الأقل أنه لو أراد الاحتلال منعها لفعل بلا جهد بل ووفر لها أموال الاستمرار، وهذا جزء من أزمة نتنياهو مع لجنة التحقيق وأمام هذه القوة الكبيرة هل يمكن للشارع الفلسطيني التحكم بمستقبله؟ فإذا كانت الفصائل تقف أمام حقه بالانتخاب فهل سيتمكن من تحقيقه؟ لماذا لا يوجه الكتاب للفصائل تهمة التساوق مع الاحتلال؟ تلك التهمة فقط من حق الفصائل أن تستخدمها ضد الشعب وهي حكر عليها فقط باعتبارها من يملك حق براءة الاختراع ... لا يتهمون لأن هناك فرقا بين من يقاتل للمصلحة العامة عمن يفعل للخاصة.