نشرت في 02 مايو 2026 10:17 ص
https://khbrpress.ps/post/429804
كثر الحديث في السنوات الماضية وحالياً عن العلاقة المرتبكة في الفضاء الإعلامي بين الصحافة التقليدية في نسختها الورقية، والمحتوى الرقمي، ودخل الذكاء الاصطناعي إلى هذا الفضاء واختلط «الحابل بالنابل» حتى بات يهدد مملكة الصحافة.
قبل العولمة وانتشار «الإنترنت»، لم يكن العالم يعرف سوى الصحافة الورقية، ومصدر الأخبار كان محصوراً بالقنوات الإخبارية والجرائد المهيمنة على الفضاء الإعلامي، وبالطبع كانت هناك الصحافة الصفراء التي تقدم مواد إخبارية تعتمد على المبالغة والإثارة بعيداً عن المصداقية والموضوعية والمعلومات الدقيقة.
صحف ورقية كثيرة انتعشت وكسبت أموالاً طائلةً بسبب تدفق الإعلانات والدعايات، غير أن التطور المتسارع في العالم حمل معه مرحلة جديدة من أدوات اقتصادية وإعلامية جعلت الصحافة التقليدية في مربع الخطر.
صعود المحتوى الرقمي أدى بشكل تدريجي إلى تراجع في الصحافة التقليدية وتراجع شديد في حركة الطباعة والتوزيع الإعلانات والوظائف، وحسب صحيفة «نيويورك بوست» فقد انخفض توزيع الصحف المطبوعة لدى أكبر 25 صحيفة بنسبة 12.5% في العام 2025.
هذا يشمل بالطبع كل الصحافة الورقية التي تعايشت مع صعود المحتوى الرقمي وسهولة الوصول إليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما فرض واقعاً جديداً على الصحافة التقليدية أدى إلى تدهور مكانتها وانخفاض مبيعاتها وتهديد وجودها في الكثير من الأحيان.
مع تطور التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، تبدّل المزاج الاجتماعي، أو لنقل إن تسارع نمط الحياة جعل شريحة كبيرة من جمهور الصحافة التقليدية تتحول إلى المحتوى الرقمي، أولاً لسهولة الحصول على الأخبار وثانياً سرعة الوصول إليها وبدون مقابل.
وثالثاً، إن هناك الكثير من القراء باتوا يشاركون في صياغة المحتوى الرقمي وإعادة تقديمه بقوالب مختلفة، وهذا أدى إلى تراجع الصحافة الورقية التي توجهت للتركيز على تفسير الخبر وتقديم التحليلات العميقة ومحاولة الصمود في مواجهة تغيرات سوق الإعلام، والاستمرارية عبر الاندماج مع المحتوى الرقمي والاعتماد على الاشتراكات الرقمية والمُحتوى المدفوع والمنصات الإلكترونية.
حسب منصة شركة تحليل بيانات اسمها Statista Market Insights، نشرت إحصائيات عن الصحافتين الورقية والرقمية على موقع «لينكيد إن»، من المتوقع أن ينخفض جمهور قراء الصحافة الورقية من 1.7 مليار قارئ العام 2025 إلى 1.1 مليار العام 2030.
في المقابل، يشهد المحتوى الرقمي نمواً متزايداً في جمهور المتابعين من 1.4 مليار شخص العام 2025 إلى 1.7 مليار العام 2030، والسبب عدا سرعة الحصول على المعلومة وحرية الوصول إليها، فإن تزايد استخدام الأجهزة النقالة يعزز نمو قطاع المحتوى الرقمي.
الآن، مع بروز الذكاء الاصطناعي وتدخله في قطاعات كثيرة، ثمة نقاش عالمي كبير حول تأثير أدوات البحث بالذكاء الاصطناعي على محتوى الصحافة، وثمة العديد من الصحف والمواقع تضع هذه المنصات الذكية في قفص الاتهام وتعتبرها سارقة للأخبار والتحليلات، ما ينعكس بالسلب على خارطة الإعلانات والإيرادات.
منصة مثل «ChatGPT» يمكنها تقديم وجبة من الأخبار للمتصفح، وتدعمه بالتحليلات والآراء المختلفة، دون عناء البحث عن المعلومة وتحري دقتها باستهلاك الكثير من الوقت، وهذا التحدي الكبير لم يعد يهدد الصحافة الورقية فحسب بل أيضاً الصحافة الرقمية.
المنصة المذكورة أعلاه مثل «الخلاط» الذي يقدم لك «وجبة» مكثفة من الأخبار، والأهم أنه بنفسه لا يفسرها على أنها سرقة من الصحف والمواقع الإخبارية ولا هي قص ولصق، وإنما «يتدرب على كميات ضخمة من النصوص، ويُعيد صياغة أفكار موجودة، ويُلخّص مواد صحافية دون الرجوع للمصدر». الحديث منسوب لـ»ChatGPT».
كذلك تقول المنصة، إن «المسألة ليست سرقة مباشرة دائماً، لكنها منطقة رمادية قانونياً وأخلاقياً، وأن منصات الذكاء الاصطناعي تحصل على المعلومة من الصحافة دون ثمن».
في حقيقة الأمر، هناك الكثير من جمهور المتابعين يجدون السلوى والراحة في منصات الذكاء الاصطناعي، لأنها تعطيهم أجوبة سريعة وتحليلات، لكنها قد تكون بعيدة عن المصداقية والدقة، والمخيف أن التكنولوجيا في تطور وبالتالي قد تتمكن هذه المنصات الذكية من تقديم محتوى مقنع لجمهور القراء يتحرى المصداقية الخبرية ويستند إلى تحليلات منطقية.
هذا التعدي على المحتويين الورقي والرقمي قد يؤثر بشكل كبير في مسار عالم الصحافة، وإذا لم تتدخل الشركات الإعلامية والمؤسسات الصحافية لإيجاد مخارج قانونية تتيح تنظيم العلاقية التشاركية مع الذكاء الاصطناعي، فإنها بالتأكيد ستعاني الأمرّين.
من يملك المعلومة الأصلية هو من يكسب الجمهور، والذكاء الاصطناعي لا يمكنه فعل ذلك في بداية الأمر، وبالتالي لن يسيطر على الإعلام، لكنه سيُغيّر قواعد اللعبة وسيحقق وصوله إلى المعلومة الأصلية من تحليلها وتقديمها في قوالب مختلفة تسترعي انتباه القارئ.
خلاصة القول، إن السنوات المقبلة ستشهد تعايشاً بين الصحافة الورقية والرقمية والذكاء الاصطناعي، وسيعتمدون ويعتاشون ثلاثتهم على بعضهم البعض، وأن تتراجع الصحافة الورقية يوماً بعد يوم وتتأثر أكثر من البقية، إلا أنها لن تغادر مملكة الصحافة.