نشرت في 18 أغسطس 2026 10:43 ص
https://khbrpress.ps/post/434083
ثمة عبارات صارت مألوفة لدى مستهلكي الأخبار في الآونة الأخيرة. تتجلى العبارات على لسان ناطقين فلسطينيين، في الغالب، في صياغات مختلفة من نوع: «قلنا لكوشنر» و»قال لنا كوشنر»، و»وعدنا كوشنر» و»طالبنا كوشنر».. الخ. المقصود جاريد كوشنر، زوج ابنة ترامب، ومندوبه السامي في «مجلس السلام»، والصحيح «دماغه» أيضاً، ناهيك عن كونه «حبيب» الإبراهيميين، الذين يختلفون على أمور كثيرة بينهم ولا يختلفون عليه. وقد أنعم عليه بعضهم، في نهاية ولاية ترامب الأولى، بمليارَي دولار لتشغيلها في سوق المال.
والواقع أن قائلي هذه العبارات يلوكونها بقدر لا يُخفى من المتعة والإحساس بالأهمية. فمن يقول لكوشنر، ويقول له كوشنر يسعى إلى تأكيد وجوده على خارطة السياسة «الدولية»، ويوحي، بلا تواضع، بدوره «كلاعب» على رقعة شطرنج الشرق الأوسط. كلام فاضي طبعاً.
ومن محاسن الصدف، وبقدر ما يتعلّق الأمر بموضوعنا، أن اسماً لكوشنر آخر (لا يبعد كثيراً عن الأوّل فهو شقيقه جوشوا) تردد في سياق الكشف عن خبايا «فضيحة كروية» قبل أسابيع قليلة. وفي التفاصيل أن رئيس الفيفا، أي الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، يسعى إلى خصخصة الفيفا، وبيع حصص فيها لمستثمرين من القطاع الخاص أبرزهم كوشنر الآخر.
يسعى كوشنر الآخر، مع «زملائه» من تجّار العقارات للمضاربة والاستثمار في بناء فنادق وملاعب الفيفا، بعد تحويلها إلى علامة تجارية، علاوة على ما لا يحصى من فنون الإعلان ووسائل الترفيه والضيافة والدعاية، والتطبيقات الجديدة بما فيها ألعاب الفيديو، ومع هذا في البال، يصح وصف الفيفا بالدجاجة التي تبيض ذهباً، فقد قُدّرت إيراداتها في بطولة كأس العالم 2026 بحوالى 15 مليار دولار.
وطالما تكلمنا عن محاسن الصدف، فينبغي القول: إن من حُسن الحظ، أيضاً، أن اسم كوشنر الآخر قرع أكثر من جرس للإنذار في أروقة اتحادات كرة القدم الأوروبية، التي اعترضت على مشروع الخصخصة، وطالبت إنفانتينو بالاستقالة. وما ينبغي أن يُذكر، هنا، أن محاولة الاستيلاء على الفيفا، من جانب المذكور وشركاه، احتلت مساحة واسعة في وسائل الإعلام الأوروبية، التي استفاضت في تعداد مخاطرها، مع كل ما تنطوي عليه من تداعيات سلبية بالمعنى الأخلاقي والسياسي والرياضي، على حاضر ومستقبل كرة القدم والرياضة في العالم.
مهما يكن من أمر، رسمت، الفضيحة، علامة شك كبيرة حول مستقبل إنفانتينو على رأس الفيفا. رد المذكور، بدوره، على منتقديه بالقول: إنه يحظى بتأييد غالبية الاتحادات المنضوية في عضوية الاتحاد، ونصح معارضيه ومعارضي مشروع الخصخصة: «بالتأمل، والصلاة، أو مشاهدة مباراة في كرة القدم بدلاً من الكراهية». وهي صياغات أيديولوجية مفخخة أعتقد أنها تصلح وسيلة إيضاح لرطانة صارت شائعة جداً هذه الأيام، ولعل من المفيد، فعلاً، تسميتها بلغة الرأسمالية المتأخرة. سيأتي الكلام عن هذه اللغة، التي يتقنها الإبراهيميون، وبعض «العرب» أيضاً، في معالجات لاحقة، بالتأكيد.
لا يتسع المجال، هنا، للخوض في تفاصيل إضافية. كل ما في الأمر أن علاقة حميمة جداً تربط إنفانتينو بدونالد ترامب. فهو وجه مألوف في منتجع مارا لاغو، وقد حضر معه المباراة النهائية لبطولة كأس العالم قبل أسابيع، كما حضر اجتماع مجلس السلام الترامبي، وأنشأ جائزة للسلام باسم الفيفا، أهداها لترامب، طبعاً. وفي المقابل عبّر ترامب عن تقديره للمذكور بالقول: إنه يصلح أميناً عاماً للأمم المتحدة، وحذّر من محاولة إقصائه عن رئاسة الفيفا.
وفي السياق نفسه، يجدر القول: إن ثمة علاقة حميمة جداً تربط إنفانتينو بالإبراهيميين، أيضاً. فقد أقام خلال البطولة ما قبل الأخيرة لكأس العالم في الدوحة القطرية. وربما ما زال مقيماً هناك. ووضع القطريون طائرة خاصة تحت تصرّفه للإشراف على مباريات البطولة الحالية، التي انتهت قبل أسابيع. ولا ضرورة، بالتأكيد، للكلام عن تأييد الاتحادات العربية لمشروع الخصخصة، واستنكافها عن الالتحاق بشقيقاتها الأوروبيات في مطالبة إنفانتينو بالاستقالة.
كل ما نود قوله في هذه العجالة: إن خيطاً رفيعاً يربط بين الشقيقين كوشنر، ودونالد ترامب والإبراهيميين. وإن هذا الخيط هو الانتماء إلى شبكة مصالح وعلاقات الرأسمالية المتأخرة، التي تكلمنا عنها في معالجة سبقت، وقلنا: إنها لا تنتج شيئاً تقريباً، بل تتوسط بين منتجين ومستهلكين مجهولين، ووصفناها بالعابرة للحدود والقوميات، والتي تعاني من تناقص فرص الاستثمار (لم يبق خلافاً للتكنولوجيا، وهي ليست ميدانهم الرئيس، سوى العقارات والإعمار) كما أشرنا إلى صلاحية المجاز الإبستيني بوصفه وسيلة إيضاح مفيدة جداً لتشخيص سماتها الأساسية.
قلنا: إن السمة الأهم لشبكة المصالح والعلاقات من الطراز الإبستيني هي التداخل والتشابك بين الأمني والسياسي، وبين العسكري والمدني، وبين التجسس والعمل الخيري، وبين التدمير والتعمير، وبين السياسة والدين، وبين المال والأيديولوجيا. القاسم المشترك بين هؤلاء هو الاستثمار في سوق العقارات والإعمار، والضيافة، والترفيه، وإنشاءات البنية التحتية، والمال.
سنتكلّم في معالجة لاحقة عن تمثيلات إضافية للتداخل والتشابك في شبكة المصالح والعلاقات: اللبناني صحناوي، الذي استضاف نتنياهو على مأدبة عشاء في واشنطن، والجزيرة الألبانية، التي حاول كوشنر، مع «زملاء» آخرين الاستيلاء عليها، وأثارت ضجة وتفاعلات واسعة النطاق في ألبانيا، والبند السادس في مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، التي تعهدت أميركا بموجبها، مع شركائها الإقليميين، بخطة لإعادة إعمار إيران لا تقل عن 300 مليار دولار.
نعثر، هنا، أيضاً، على الخيط الرفيع نفسه. دمّر وعمّر. أليس كذلك؟ فاصل ونواصل