كاتب ومفكر إماراتي: "دحلان" رجل المرحلة التي قد تنقل فلسطين من الانقسام إلى الدولة

نشرت في 21 أغسطس 2026 10:18 ص

أبو ظبي - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/434210

يرى الكاتب والمفكر الإماراتي د. محمد البشاري، أن أزمة القضية الفلسطينية لم تعد مرتبطة بنقص التضحيات أو غياب الرموز والشعارات، بعدما قدم الفلسطينيون عبر عقود من النضال ما يكفي لإثبات قضيتهم، وإنما أصبحت الأزمة الأساسية تتمثل في غياب قيادة قادرة على تحويل هذه التضحيات إلى مشروع سياسي يفضي إلى نتائج ملموسة، ويمنح الفلسطينيين حياة كريمة ودولة قابلة للبقاء.

ومن هذا المنطلق، يطرح الكاتب اسم محمد دحلان باعتباره أحد الشخصيات القادرة، من وجهة نظره، على تمثيل مرحلة فلسطينية جديدة. ويستند في ذلك إلى مسيرة دحلان السياسية التي بدأت من مخيم خان يونس، مروراً بالسجن الإسرائيلي والعمل التنظيمي والانتفاضة وتجربة السلطة الفلسطينية في عهد ياسر عرفات، وصولاً إلى الصراعات الداخلية والإقصاء والمنفى، حيث يرى أن هذه التجربة منحته معرفة مباشرة بمختلف مكونات المشهد الفلسطيني، إلى جانب علاقاته العربية والدولية ومعرفته بطريقة تفكير الأطراف الإقليمية والدولية، بما فيها إسرائيل.

ويؤكد البشاري أن طرح دحلان لا ينبغي اختزاله في مسألة خلافة الرئيس محمود عباس، لأن المشكلة الفلسطينية “بحسب رؤيته” أعمق من تغيير شخص بآخر، فهو يتحدث عن حالة من "الشيخوخة السياسية" التي أصابت النظام الفلسطيني، مشدداً على ضرورة احترام الجيل التاريخي من القيادات من دون تحويله إلى عائق أمام التجديد. ويختصر ذلك بالقول إن هناك فرقاً بين احترام التاريخ وبين البقاء أسيرًا له، لأن فلسطين تحتاج إلى قيادة تدير المستقبل لا الماضي.

وفي الوقت نفسه، ينتقد الكاتب استمرار الدوران في دائرة الحرب والمقاومة المسلحة من دون أفق سياسي واضح، موضحاً أن حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال ليس موضع النقاش، لكن المقاومة في نظره، ليست هدفاً بحد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق الحرية وإنهاء الاحتلال وحماية الإنسان وبناء الدولة، كما يرى أن تكرار الحروب والدمار والحصار، بينما يبقى الاحتلال قائماً ويستمر المواطن الفلسطيني في دفع الثمن، يفرض مراجعة الأدوات السياسية، لا التخلي عن الحقوق.

ويضع الكاتب احتياجات المواطن الفلسطيني في قلب أي مشروع سياسي مستقبلي، مؤكداً أن الفلسطيني الذي خرج من تحت الركام لا يحتاج إلى خطابات عن البطولة والموت بقدر حاجته إلى قيادة تبحث عن منع الحرب المقبلة، وإعادة بناء المنازل والمدارس، وتوفير فرص العمل، وحماية القدس، وتوحيد غزة والضفة، واستعادة القرار الفلسطيني بعيداً عن صراعات الآخرين.

ويشير البشاري إلى تجربة دحلان في فتح قنوات مع حركة حماس، وخاصة تفاهمات القاهرة عام 2017، باعتبارها نموذجاً على إمكانية تجاوز الخصومات الداخلية عندما تصبح المصلحة الوطنية أكبر من الخلاف التنظيمي.

ويلفت إلى أن العلاقة بين الطرفين لم تكن سهلة، خصوصاً في ظل الإرث الدموي لأحداث عام 2007، لكنهما استطاعا الانتقال من منطق الصراع إلى البحث عن مساحات مشتركة تتعلق بغزة ومعبر رفح والأوضاع الإنسانية والمصالحة المجتمعية.

كما يبرز الكاتب دور سمير المشهراوي في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع قيادات حماس، معتبراً أن أهمية هذه العلاقات لا تكمن في تحول دحلان أو تياره إلى جزء من حماس أو العكس، وإنما في إثبات إمكانية بناء مساحة وطنية مشتركة تتجاوز الانقسامات التنظيمية.

ويرى أن المرحلة المقبلة لا يمكن أن تقوم على انتصار فتح على حماس أو انتصار حماس على فتح، بل على نظام سياسي جديد يحتكم إلى الانتخابات والمؤسسات والقانون، ويستوعب مختلف القوى الفلسطينية.

ويعتبر البشاري أن إحدى نقاط القوة التي يمتلكها دحلان تتمثل في شبكة علاقاته الإقليمية والدولية، خصوصاً مع مصر والأردن ودول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا، إلى جانب قدرته على التواصل مع أطراف مختلفة في المنطقة، كما يعتبر أن هذه العلاقات يمكن أن تتحول إلى رصيد سياسي مهم إذا جرى توظيفها لخدمة المشروع الفلسطيني، لا لمصلحة شخصية، خصوصاً في ظل الحاجة الكبيرة إلى إعادة إعمار غزة.

وفي هذا السياق، يربط الكاتب بين دور دحلان وعلاقاته بالإمارات وبين إمكانية الاستفادة من القدرات المالية واللوجستية العربية والدولية في إعادة بناء غزة، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة لن تكون سياسية فقط، وإنما ستتطلب إعادة بناء مجتمع كامل، بما يشمل المساكن والمدارس والمستشفيات والجامعات وشبكات المياه والكهرباء وفرص العمل، إلى جانب إعادة الأمل إلى الأطفال والشباب.

كما يتناول المقال النشاط الإنساني والاجتماعي المرتبط بالدكتورة جليلة دحلان، معتبراً أن دعم الأسر المحتاجة والشباب وذوي الإعاقة وتنظيم المبادرات الاجتماعية يمثل جانباً من جوانب الحفاظ على المجتمع الفلسطيني، لا مجرد أعمال إغاثية منفصلة عن السياسة، فالقضية وفق رؤية الكاتب، ليست مؤتمرات وقممًا واجتماعات فصائل فقط، بل حياة الناس اليومية واحتياجاتهم الأساسية وكرامتهم.

ويضع البشاري دحلان أمام فرصة للتواصل بين ثلاثة أجيال فلسطينية: جيل الثورة الذي عرف ياسر عرفات، وجيل السلطة الذي عاش تجربة أوسلو والانقسام، وجيل جديد نشأ في ظل الحصار والحروب ويريد مستقبلاً مختلفاً عن صراعات الأجيال السابقة، حيث يعتبر أن هذا الجيل الجديد لا يفتقر إلى الوطنية، لكنه ينظر إليها بطريقة مختلفة فهو يريد فلسطين حرة ومستقلة، لكنه يريد أيضاً أن يعيش فيها حياة طبيعية تتوفر فيها فرص التعليم والعمل والسفر والكرامة.

وبناءً على ذلك، يحذر الكاتب من تقديم دحلان باعتباره شخصية جاءت لهزيمة الآخرين، معتبراً أن قوته المحتملة تكمن في قدرته على جمع أطراف متخاصمة، من فتح وحماس إلى غزة والضفة والسلطة والفصائل، والتعامل مع الدول العربية والولايات المتحدة والأطراف الدولية المختلفة. ويرى أن القيادة الحقيقية لا تعني الحصول على إجماع الجميع، وإنما امتلاك القدرة على التواصل مع مختلف الأطراف وإدارة الاختلافات بما يخدم المصلحة الوطنية.

ويقر الكاتب بأن دحلان سيظل شخصية مثيرة للجدل، وأن ماضيه السياسي وصراعاته داخل حركة فتح وأحداث غزة وعلاقاته الإقليمية ستظل موضع نقاش، لكنه يرى أن معيار تقييم القيادة ينبغي أن يرتبط بقدرتها على الإجابة عن أسئلة المستقبل: هل تستطيع توحيد النظام السياسي؟ هل تستطيع فتح أبواب إعادة الإعمار؟ هل تستطيع إعادة غزة إلى قلب المشروع الوطني؟ وهل تستطيع إنهاء الصراع الداخلي حول السلاح وإعادة القرار الفلسطيني إلى الفلسطينيين؟.

وفي الخلاصة، يطرح البشاري دحلان باعتباره احتمالاً لقيادة مرحلة انتقالية تنقل الفلسطينيين من الشرعية التاريخية إلى الشرعية الانتخابية، ومن شرعية السلاح إلى شرعية الدولة، ومن اقتصاد المساعدات إلى اقتصاد البناء، ومن تعدد السلطات والأجهزة إلى مؤسسة وطنية واحدة، ويؤكد أيضاً أنَّ المطلوب ليس مجرد خلافة القيادة الحالية، وإنّما صناعة تسوية فلسطينية داخلية تسبق أي تسوية مع الخارج.

ويختتم الكاتب البشاري رؤيته بالتأكيد على أن الفلسطينيين، بعد سنوات طويلة من الحروب والانقسام والصراع الداخلي، يحتاجون إلى مشروع حياة ودولة وقانون وانتخابات وشراكة وطنية، لا إلى إعادة إنتاج الصراعات القديمة، معتبراً أنَّ دحلان يمكن أنّ يمثل فرصة في حال استطاع توظيف تجربته وعلاقاته في بناء مشروع وطني جامع، ووضع المؤسسات والانتخابات والشراكة فوق الانتقام السياسي، وجعل إعادة بناء الإنسان الفلسطيني محوراً لمشروعه.