نشرت في 18 يناير 2026 10:36 ص
منتصف الأسبوع الماضي، بدا كأنّ العالم يحبس أنفاسه على وقع ضربة على إيران. لم يكن هناك شك بعد موجة التسريبات والتحركات والتهديدات والتصريحات الصادرة عن رئيس أميركي يدير العالم بمنطق بلطجي الحي، بأننا أمام ساعات أو أيام على أبعد تقدير للهجوم قبل أن تبرد المسألة ويعود الرئيس ترامب ليشكر إيران على عدم إعدامها لثمانمائة إيراني، وكأن الضربة قد تم إلغائها.
لا يبدو الأمر كذلك في عالم تتم هندسته أميركياً على صعيد أميركا اللاتينية وأوروبا «خطف الرئيس الفنزويلي والرغبة بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند»، أما في الشرق الأوسط فتترك الولايات المتحدة للحليف الصغير إسرائيل أن يهندس الإقليم وتوفر له كل القوة والأدوات اللازمة لذلك، هكذا يبدو الأمر مع شخصيتين مصابتين بجنون العظمة وتريان أن الجميع يجب أن يخضع للقوة وهي وحدها ما يقرر الأعراف والمواثيق الدولية، وهنا تبدو القوتان الإسرائيلية في المنطقة والأميركية في العالم من التفوق بما يمكنهما من تحديد مصائر الدول والبشر.
ولأن الأمر كذلك، ليس هناك من يعتقد أنه يمكن أن تتوقف المنطقة عند هذا الحد، فإسرائيل ترى أن هناك فرصة تاريخية ومناخات تمّت صناعتها بعد السابع من أكتوبر لإسقاط النظام في إيران الذي أحاطها كما تردد بحزام من النار، وقد وصلت إسرائيل لقناعة كان يرددها نتنياهو أن ضرب الأطراف وحده لا يكفي بل يجب القضاء على رأس الأخطبوط، وقد جاءته اللحظة لتحقيق الحلم التاريخي أو لإنهاء ما يعتبره الكابوس التاريخي، وهو يدرك أن اللحظة إذا ما أفلتت لن تتكرر، ويدرك أكثر أن النظام إذا ما خرج من هذه الموجة لن يوقفه أحد عن صناعة القنبلة النووية وحينها الطوفان.
الذي حدث أن إسرائيل التي لديها قرار أقنعت به الرئيس الأميركي في اللقاء الذي عقد في الثامن والعشرين من كانون الأول الماضي، بل جندته للقضاء على النظام الإيراني، كانت تأمل أن يتمكن المتظاهرون مع حملة إعلامية هائلة وضغط دولي أن تنجح تلك التظاهرات بإسقاط رأس الدولة، أو أن التظاهرات قد وصلت إلى مرحلة من تهديد النظام، والتي لم تكن تحتاج إلى مساعدة بسيطة أو ضربة ليست كبيرة لإيران وعلى وقع فوضى الداخل يسقط النظام بسهولة.
لكن إسرائيل والولايات المتحدة اكتشفتا أن النظام لم يترنح، وأن التظاهرات لم تهزه تماماً، وأن ضربة واحدة تقوم بها بعض الطائرات لن تكفي، بل ستكون نتيجتها عكسية إذا ما بقي النظام وتجاوز هذه الضربة، وأغلب التقديرات كانت تقول ذلك، فإنه بعدها سيتجه لخيارات ليست في صالح إسرائيل، وهذا ما جعل الثنائي نتنياهو ترامب يعيد الحساب، فهما يريدان ضربة أو ضربات قاضية تماماً كما نشرت القناة الثانية عشرة العبرية «إسرائيل ترى فرصة تاريخية لتغيير النظام في إيران وتعتقد أنه يجب الاستعداد جيداً لضربة تؤدي لإسقاط النظام، وإن عملية غير معدة جيداً ستضر بالمصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، لذلك طلب نتنياهو تأجيل العملية».
هذا هو بيت قصيد التسخين والتبريد المؤقت، فالقرار بإسقاط النظام لا رجعة عنه من واشنطن التي تحرضها وتحركها تل أبيب، ويرى الطرفان أنه إذا لم يحدث في هذه الفترة فلن يحدث للأبد، ولن تترك إسرائيل وذئبها نتنياهو هذه اللحظة، لكنهم اكتشفوا أن النظام أكثر تماسكاً وأكثر قوة، ما يتطلب عملية طويلة وقوات كبيرة ومعدات عسكرية هائلة وحاملات طائرات ليست موجودة في المنطقة، وتجهيز إسرائيل لتلقي ضربات.. واضح أن إيران لم تضع الوقت بعد الهجوم الإسرائيلي عليها، ما يعني أن الحسابات القديمة التي بدأت مع اندلاع التظاهرات كانت حسابات مستعجلة وقاصرة عن فهم قوة النظام وموازين القوى في الداخل الإيراني وحجم وقوة المعارضة وتعبيراتها في الشارع، خاصة بعد أن استنفر النظام مؤيديه في استعراض للقوى الشعبية أيضاً.
«الجيش الإسرائيلي يستعد لرد قاس من إيران».. هكذا كتب موقع «واللا» بالأمس، معتبراً أن الزيارة التي قام بها إيال زامير رئيس الأركان لمنظومة بطاريات حيتس التي تواجه الصواريخ الإيرانية مؤشراً مهماً على جاهزية إسرائيل للحرب واستعداداتها التي تقوم بها، فالحديث عن أن نتنياهو من طالب ترامب بتأجيل الهجوم يحمل قدراً من الحقيقة؛ لأن إسرائيل أيضاً كانت تستسهل الأمر في البدايات قبل التقديرات التي وضعتها أجهزة الاستخبارات بأن الأمر لم يكن على هذه الدرجة من التبسيط.
أما موقع «كود كود» العبري، فقد نقل بثاً عن حاملة الطائرات الأميركية لينكولن، التي كانت ترابط في بحر الصين الجنوبي، وهي تتجه إلى الشرق الأوسط وتقل تسعين طائرة و5000 جندي ويستغرق وصولها من خمسة إلى سبعة أيام، لا يمكن لأحد أن يتخيل رئيساً بهذه الخفة يقول للمتظاهرين في إيران: «اصمدوا والمساعدة في الطريق»، ثم يتراجع عنها هو ليس من هذا النوع الرصين، بل إن حساباته الشخصية وغرور القوة أكبر من الحسابات السياسية الرصينة، فما بالنا إذا ما وقفت خلف حسابات ترامب مصالح إسرائيل العليا حتى لو أدت إلى حريق كبير في المنطقة وموجات من النزوح للدول المجاورة، وتزداد المسألة حين يقف خلف الحسابات ذئب كبير كما نتنياهو يحرك رئيساً مثل الدمية..؟