الكاتب: حسن خضر

لـحـظـة الـمـضـيـق...!!

نشرت في 07 أبريل 2026 11:27 ص

الكاتب: حسن خضر

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/428808



 

لن تتضح النتائج النهائية للحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران في وقت قريب، بصرف النظر عمّا ينجم عنها من نتائج عاجلة. وليس من السابق لأوانه القول إن النتائج الأكثر أهمية، والأبعد مدى، لن تتضح قبل مرور وقت طويل. ومع ذلك، ثمة فرضيات يصعب تجاهلها وفي القلب منها: أن أحداً من المنخرطين فيها مباشرة، أو مداورة، لن يخرج منها كما كان قبلها. ولا يبدو من قبيل المبالغة القول إن الحرب غيّرت العالم، أيضاً.
ومع هذا في البال، نكتفي، هنا، بفرضيات قليلة فرضتها الجغرافيا الواسعة لميدان القتال، الذي لا يقتصر على الطرفين الإسرائيلي والإيراني، بل يشمل الخليج، والعراق، وبلاد الشام. ومن الفرضيات ذات الصلة أن المظلة الأمنية، التي بسطها الأميركيون على منطقة الخليج، في صورة سلسلة من القواعد العسكرية، والمراكز الأمنية، لم تفشل في إثبات جدارتها وحسب، بل تسببت في تعريض الدول المُضيفة لهجمات إيرانية مُوجعة، أيضاً.
لا فائدة من الكلام عمّا يثير الفشل في إثبات الجدارة من إحساس بخيبة الأمل لدى من وضعوا بيضهم في السلة الأميركية، وعمّا تنطوي عليه الهجمات الإيرانية من مخاطر أمنية مُفزعة بالنسبة للإبراهيميين. فهذا وذاك خارج نطاق هذه المعالجة. كل ما في الأمر، الآن، أن الإحساس بالانكشاف الأمني حقيقة واقعة، وأن مستقبل القواعد الأميركية في الميزان، وأن تراجع النفوذ الأميركي في دائرة الاحتمال، وأن الحاجة إلى قوّة خارجية تحمي وتسد الفراغ الأمني، ملموسة ومُلحة. 
تكلمنا، في مناسبات مختلفة، عن حقيقة وجود تنافس بين ثلاث قوى إقليمية صاعدة، هي إسرائيل وتركيا وإيران، على دور القوّة الإقليمية. ويمكن، في سياق كهذا، فهم الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران كمحاولة لإخراج الأخيرة من دور القوّة المُقررة في الخليج، مجالها الحيوي الطبيعي، وفرض القوّة الإسرائيلية، بحكم حقائق الميدان، والحسابات الأميركية، كبديل. وهذا هو السيناريو الفعلي، والأفق المفتوح، لسلام واتفاقات إبراهيم، الذي يمثل خارطة طريق أمنية وسياسية واقتصادية وأيديولوجية للأطراف ذات الصلة. قبل الحرب، وفي الحرب، وبعدها.
وعلى الرغم من ارتسام هذا السيناريو في الأفق، إلا أن فشل ضربة «قطع الرأس»، التي افتتح بها الأميركيون والإسرائيليون الحرب، ونجاح الإيرانيين في امتصاص الصدمة، واللعب بكل أوراق القوّة في أيديهم، بما فيها التهديد الصاروخي المُؤثر لإسرائيل، وإشعال النار في الخليج الغني بالمواد القابلة للاشتعال، وورقة مضيق هرمز (وباب المندب) أضفت تعقيدات كثيرة حتى على احتمال التفكير في أمر كهذا في الوقت الحاضر. 
لا يعرف كاتب هذه السطور كيف ستنتهي الحرب. ومع ذلك، قد تتحوّل الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، وما يمكن تشخيصه «بلحظة مضيق هرمز» في الشرق الأوسط، إلى علامة فارقة في تاريخ تدهور وأفول الإمبراطورية الأميركية، في الشرق الأوسط، كما كانت «لحظة السويس» لحظة فارقة في تاريخ تدهور وأفول الإمبراطورية البريطانية.
لسنا في عالم العقد الأوّل، واحتدام الحرب الباردة، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. لذا، يصعب، ولا ينبغي، الكلام عن تطابق بين نموذجين في السياسة والحكم بين مصر العام 1956 وإيران العام 2026، وكذلك بين إمبراطوريتين هما البريطانية 1956 والأميركية 2026. 
ومع هذا في البال، ينبغي الكلام عن أوجه للشبه بين لحظتي أزمة بالمعنى التاريخي: أزمة النظام الكولونيالي القديم، الذي حكمت عليه الحرب العالمية الثانية بالأفول، وأزمة النظام الإمبراطوري الأميركي الذي حكم عليه صعود عالم متعدد الأقطاب بالأفول. كانت حرب السويس بهذا المعنى لحظة الأزمة، التي دفع المصريون أثمانها المباشرة في صورة خسائر عسكرية في الميدان، وفي المقابل أحرزوا مكاسب سياسية كرّستهم فاعلاً دولياً وقوّة إقليمية صاعدة.
على أي حال، يُشخّص غرامشي الأزمة بوصفها لحظة احتضار القديم، الذي لم يمت تماماً بعد، وعسر ولادة الجديد، الذي لم يتخلّق تماماً بعد. من نافلة القول، بطبيعة الحال، إن عمر «اللحظة التاريخية» قد يُحسب بالعقود لا بالأيام والشهور، وأن حساب «الجديد» بمفردات التقدم، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، لا ينسجم، بالضرورة، مع طريقة «تقدّم» التاريخ في الواقع.
وبالنظر إلى موجة اليمين التي تجتاح العالم، وصعود الشعبويات والقوميات والأنظمة المُحافظة، لا يبدو النظام الإيراني، المحافظ، وصاحب السجل السيئ تماماً في مجال حقوق الإنسان، غريباً بين الصينيين والروس والهنود والباكستانيين والأتراك والكوريين، بل وحتى بين المسيحيين الإنجيليين، في البيت الأبيض، حصن الديمقراطية الليبرالية في الغرب، الذي شهد ما يشبه جلسة «رقية شرعية» بارك خلالها عدد من الدعاة النصّابين ترامب، وقارنوا بينه وبين يسوع المسيح.
سبق وتكلمنا عن الدلالة الاستراتيجية لمحاولة كسر النظام الاقتصادي للبترو- دولار. ويمكن، في السياق نفسه، أن نتكلّم عن «لحظة مضيق هرمز» المرشحة للتحول بعد وقت قد يطول أو يقصر إلى علامة فارقة في تاريخ أفول القوّة الأميركية في الشرق الأوسط، بعد فشلها في عرقلة صعود القوّة الإيرانية الصاعدة، والحد من بسط نفوذها على مجالها الحيوي الطبيعي في الخليج. وهذا كله مشروط بالحسابات والرهانات المعقودة على مضيق هرمز، ونجاح أو فشل الإيرانيين في مشروع «الـتأميم». فاصل ونواصل.