نشرت في 07 نوفمبر 2026 01:21 م
https://khbrpress.ps/post/437615
دعا الإعلامي الصهيوني في صحيفة "هآرتس" العبرية آري شافيط، الإسرائيليين إلى البحث عن وطن بديل، ومغادرة البلاد لمدن مثل سان فرانسيسكو أو برلين أو باريس.
جاء ذلك في مقال نشره اليوم السبت، عبر الصحيفة العبرية، بعنوان "إسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة"، مشيرًا إلى أن الصهيونية بصيغتها الحالية باتت غير قابلة للإصلاح.
وأوضح أن مقترح الكاتب روغيل ألفير بالهجرة، هو الخيار الواقعي لمن يشعرون بأنّ الإسرائيليّة واليهوديّة لم تعد جزءًا حيويًا من هويتهم النفسيّة.
وتابع: “إنّنا نواجه أصعب شعبٍ عرفه التاريخ، ولا حلّ معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال. يبدو أننا اجتزنا نقطة اللا عودة، وأنّه لم يعد بإمكان اسرائيل إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وتحقيق السلام.”
ولم تعُدْ التحذيرات من مستقبل المشروع الصهيونيّ مقتصرةً على خصوم إسرائيل أو على المفكرين الفلسطينيين والعرب، بل باتت تظهر أيضًا في كتابات مؤرخين وباحثين وصحافيين إسرائيليين، بعضهم من داخل المؤسسة الأكاديميّة والإعلاميّة الإسرائيليّة.
كما لم يَعُد السؤال المتعلق بمستقبل الصهيونيّة مطروحًا في الأوساط الفكريّة والإعلاميّة خارج إسرائيل فحسب، بل أصبح جزءًا من نقاشٍ داخليٍّ إسرائيليٍّ يتناول طبيعة الدولة ومستقبلها، وحدود قدرتها على الاستمرار في الجمع بين هويتها اليهوديّة ونظامٍ ديمقراطيٍّ متساوٍ لجميع مواطنيها.
وتكتسب هذه النقاشات أهميةً خاصّةً في أعقاب أكتوبر 2023، والحرب على قطاع غزة، واتسّاع الخلافات داخل المجتمع الإسرائيليّ، فضلًا عن التوتر المتزايد في علاقات إسرائيل مع قطاعاتٍ من الرأي العام اليهوديّ في الولايات المتحدة وأوروبا.
ويُعدّ الدكتور شاؤول أرئيلي من أبرز الباحثين الإسرائيليين الذين يتناولون مستقبل المشروع الصهيونيّ من زاويةٍ سياسيّةٍ واستراتيجيّةٍ، ويُحذّر من أنّ استمرار الاحتلال والاستيطان ورفض التسوية السياسيّة مع الفلسطينيين يهدد بتحويل إسرائيل إلى واقع ثنائيْ القوميّة، أوْ إلى نظامٍ دائمٍ من عدم المساواة، بما يتعارض مع التصور الذي يطرحه عن دولةٍ يهوديّةٍ ديمقراطيّةٍ.
وفي مقالٍ نشره في صحيفة (هآرتس) تناول مسألة الأراضي الفلسطينيّة والتكاليف التي ستتحملها إسرائيل نتيجة استمرار الوضع القائم. وربط بين مستقبل إسرائيل وبين الصراع داخل المجتمع الصهيونيّ بين المعسكر الذي يتمسّك بالديمقراطية والمساواة، والتيار القومي الديني المسيحاني الذي يسعى إلى تغيير طبيعة الدولة.
ويذهب جدعون ليفي، أحد أبرز الأصوات النقديّة في صحيفة (هآرتس)، إلى أبعد من التحذير من أزمة المشروع الصهيونيّ، ففي مقاله بصحيفة (هآرتس) يرفض التفسير القائل إنّ ما يجري اليوم مجرد انحراف عن مشروعٍ كان في بداياته مختلفًا.
ورأى أنّ التمييز بين الصهيونيّة التي قامت عليها الدولة وبين سياسات الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة لا يكفي، لأنّ ما يعتبره جوهرًا تمييزيًا في العلاقة مع الفلسطينيين رافق المشروع منذ بداياته.
وفي مقابلة مع برنامج (ديموكراسي ناو) ناقش ليفي مع المؤرخ الإسرائيليّ عومر بارتوف مستقبل الصهيونيّة، مؤكدًا اعتراضه على اعتبار الممارسات الحاليّة مجرد انحرافٍ عن مبادئها الأولى، فهو لا يتحدث فقط عن خطر انهيار المشروع الصهيونيّ، بل يشكك في إمكانية إصلاحه من دون مراجعة جذوره التاريخيّة والسياسيّة.
ومن الأسماء التي تستحّق التوقف عندها المؤرخ الإسرائيليّ عومر بارتوف، المتخصص في الإبادة الجماعية، فقد ميّز في مقابلةٍ مع صحيفة (الغارديان)، بين تياريْن داخل الصهيونيّة: تيار ارتبط بتحرير اليهود من الاضطهاد، وتيار قوميّ إثنيّ استيطانيّ.
ويرى أنّ الدولة الإسرائيليّة ابتعدت عن إمكان بناء دولةٍ طبيعيّةٍ، ذات دستورٍ وحدودٍ معروفةٍ وعلاقاتٍ متساويّةٍ مع مواطنيها الفلسطينيين، وأعلن معارضته الشديدة للصهيونيّة بصيغتها السائدة حاليًا في إسرائيل، معتبرًا أنّ عليها مراجعة مسارها جذريًا.
أمّا المؤرخ غير الصهيونيّ، إيلان بابيه، فيذهب إلى أبعد من ذلك في تشخيصه للمستقبل. ففي مقابلةٍ مع قناة (الجزيرة) قال إنّ الحركة الصهيونيّة تمر بمرحلتها الأخيرة تاريخيًا، وإنّ ما نشهده هو مرحلة من الصهيونيّة الجديدة، التي تتسّم بمزيدٍ من التطرف والتوسع والرغبة في فرض السيطرة على كامل فلسطين التاريخية، ويعتقد أنّ الحركات الاستيطانيّة والإمبراطوريات تصل أحيانًا إلى مرحلةٍ تتسّم فيها سياساتها بأقصى درجات الطموح والتشدد، قبل أنْ تواجه عوامل التفكك والانهيار.
وثمة عامل آخر لا يمكن تجاهله، يتمثل في تراجع مكانة الصهيونية الليبراليّة داخل قطاعات من الجاليات اليهوديّة، ولا سيما في الولايات المتحدة.
فقد تناولت تقارير صحافيّة نقاشات بين شخصياتٍ دينيّةٍ وفكريّةٍ يهوديّةٍ حول أزمة الصهيونيّة الليبراليّة، والفجوة المتزايدة بين الالتزام بالقيم الديمقراطيّة والدفاع عن السياسات الإسرائيليّة.
الخلاصة
ما يستحق الاهتمام هو أنّ النقاش لم يعد محصورًا في كيفية إدارة الصراع مع الفلسطينيين، بل أصبح يتناول شرعية السياسات التي تقوم عليها الدولة، وطبيعة النظام الذي تريده لنفسها، وإمكانية استمرار مشروعٍ قوميٍّ يقوم على تقرير المصير اليهوديّ في ظلّ إنكار الحقوق الوطنية الفلسطينيّة أو الانتقاص منها.
ولعلّ السؤال الأكثر أهميةً الذي تطرحه هذه الكتابات هو: هل تستطيع الصهيونيّة إعادة تعريف نفسها بما يضمن المساواة والحقوق الوطنيّة للفلسطينيين، أمْ أنّ التناقضات التي نشأت في مسارها التاريخيّ ستظل تتفاقم إلى أنْ تفرض تحولًا جذريًا في طبيعة المشروع والدولة؟