نشرت في 06 نوفمبر 2026 10:00 ص
https://khbrpress.ps/post/437559
«تسونامي ديمقراطي»، هكذا وصفت القناة الرابعة عشرة الإسرائيلية ما حدث في الانتخابات الأميركية، والحقيقة أنه ليست هناك مبالغة في وصف الحدث، لكنها لم تكمل القول إن من يقف على شفا الغرق هو السياسة الإسرائيلية التي تصل حدها الأقصى في النبذ بعد الحد الأقصى من الوحشية التي مارستها بلا حساب. فقد كانت إسرائيل ربما لأول مرة بهذا الوضوح جزءاً من النقاش العام في الانتخابات، ليس لجهة الولاء لها كما درجت العادة لعقود، بل لجهة التنديد بها والتشهير بالمرشحين المرتشين الذين يتلقون أموال من الإيباك والمرشحين المنافسين الذين ذهبوا بكل تلك الجرأة في التهديد بمعاقبتها وفضح سياساتها.
أزمة إسرائيل هذه المرة وبالتحديد النظام السياسي الذي يقف على رأسها أنه ألقى بكل البيض في سلة الحزب الجمهوري والرئيس ترامب، عندما عمل بشكل واضح إلى جانب حملته الانتخابية قبل عامين ضد مرشحة الحزب الجمهوري للرئاسة كامالا هاريس، فقد وضعت نفسها في حالة عداء مع الديمقراطيين بعد أن كانت حذرة لسنوات توزع ولاءها بين الحزبين قبل أن يحسم بنيامين نتنياهو أمره لصالح الجمهوريين، ما يعني أن إسرائيل لن تكون إسرائيل نفسها في الكونغرس الذي تم اكتساحه لصالح الخصم.
أزمة إسرائيل الأخرى أن الحزب الديمقراطي نفسه تغير ولم يعد الحزب التقليدي الذي يفاخر قادته بأنهم صهاينة أو مؤيدون لإسرائيل، لكنه بات أعلى صوتاً في انتقادها بل ومهاجمتها، يضم ما بين يسار حاد أمثال ممداني أو معارض صلب مثل عبد الرحمن السيد الذي فاز في مجلس الشيوخ، وما بينهما من مؤيدين لفلسطين ورافضين لسياسات إسرائيل التي بلغت حد الفضيحة لكل من يقف معها. فقد قال الكاتب الصحافي الإسرائيلي بن كاسبيت: «نأى مؤيدونا عنا»، هكذا اختصر المناخات التي سادت والنقاش الانتخابي والمنافسة التي اشتدت ترفع صوتها ضد إسرائيل ومؤيديها من المرشحين بعد أن ظلت لعقود تتنافس على الولاء لها.
هكذا يتغير العالم ويتقدم فيما تغرق إسرائيل في مزيد من عصبية القبيلة القديمة، كما أطلق عليها إيلان هاليفي الكاتب اليهودي الذي انتمى لمنظمة التحرير وكان أبرز مثقفيها، تضرب بلا حساب وتتمرد على كل القيم الإنسانية والمؤسسات الدولية حتى وصل الأمر للتدخل داخل الولايات المتحدة بأموالها وما تملكه من وسائل وممكنات قوة لسوء حظها تحولت لنقاط ضعفها، ليعلن الرئيس الذي تفاخر بأنه أبرز خدام إسرائيل عن اتفاق لوقف التمويل السنوي، هكذا هو الأمر ينقلب سحرها لتشيطن من يتقرب منها، هكذا قال ترامب سابقاً وهو يرصد من سيسقطون تباعاً بسبب اقترابهم من قرص نارها.
جي دي فانس نائب الرئيس هو الأكثر جدية في واشنطن، والذي تفرد بعدة مواقف بما يتعلق بالحرب على إيران التي كانت السبب الأبرز للمذبحة السياسية بالنسبة للجمهوريين، كما وصفها موقع «واللا» الإسرائيلي، وهو يتذكر كيف قام نتنياهو بخداع رئيسه، بل استغل غياب نائب الرئيس الصارم في أذربيجان ليزور واشنطن في الحادي عشر من كانون الثاني حاملاً خطة الحرب التي يعارضها نائب الرئيس، وما أإ عاد فانس اكتشف أنه جاء متأخراً، وأن بلاده قد تورطت وهي أمام واحدة من أكبر مغامراتها الخاسرة، وأن حزبه الذي يحتاجه للترشح للرئاسة سيتلقى ضربة هي الأكبر في العقود الأخيرة، وستقضي على مستقبل فانس وطموحاته وقد كان ليعلّق على أسباب الخسارة بأن أربعة أسباب تقف خلف ما حدث.
التفافاً على موقفه، أحال فانس الحديث عن الخسارة لخبير ربما وهمي كاستطلاع قام بإجرائه. لكن الأسباب هي روح سياسة فانس صاحب نظرية «أميركا أولاً» إذ اعتبر أن الأسباب التي تقف خلف مذبحة الكونغرس هي الحرب على إيران وتكاليف المعيشة وهي نتاج للحرب طبعاً وإعطاء الأولوية لمصالح أميركا والأهم تغيير طبيعة العلاقة مع إسرائيل، ومن يتذكر حين وقف فانس يوماً يحذر إسرائيل من خسارة آخر حليف لها قبل أن تنهال تقارير الإعلام الإسرائيلي تنبش في طفولة شقية لنائب الرئيس على سبيل التشهير به.
تحدث نتنياهو قبل أسبوعين عن عقوبات قادمة ليوعز للمؤسسة المالية والبنك المركزي ببدء التفكير بالعملات المشفرة للتحايل على عقوبات بشكل فانتازي، فرفض البنك مجرد التفكير بالأمر. وفي الحديث ما يشي بمحاولة استرضاء ترامب قبيل انتخابات الكنيست كتاجر للعملة المشفرة.... ربما، فنتنياهو ماكر وله تجارب عديدة في الاستيلاء على عقل ترامب، لكن الانتخابات سواء في إسرائيل أو في الولايات المتحدة وجّهت ضربة قوية للتيار اليميني الشعبوي ممثلة في حالة ترامبية بلهاء تقابلها حالة نتنياهو - بن غفير - سموتريتش سئم منها الشعبان الإسرائيلي والأميركي، أما كيف أنتجاها وكيف زحف المزاج باتجاهها، فتلك رواية ستأتي لاحقاً.
تحتفل إيران التي هندست السقوط وظلت تجرجر المفاوضات حتى الانتخابات وهي تدرك أنها تضغط على العصب الانتخابي «سعر البنزين» وكلمة السر في النجاح والفشل، ويحتفل الفلسطينيون بشقَّيهم «حماس» التي رسمت خطة نهايتها في القطاع والسلطة التي تعرضت لتجاهل حد التهديد بإنهائها، وكذلك أوروبا التي ذهبت بعيداً في استهدافها بلا حد أدنى من الاحترام لقارة كانت في ثلاثة أرباع قرنها الأخير شريكاً مخلصاً لواشنطن تجد نفسها على هامش التاريخ بل تتعرض لعقوبات... هكذا يعيد التاريخ تصويب نفسه حين يأتي شخص عابث مثل ترامب ليخلق كل تلك الفوضى.