نشرت في 04 فبراير 2026 10:56 ص
https://khbrpress.ps/post/426267
توقع المواطنون الفلسطينيون أنه مع فتح معبر رفح سيبدأ تطبيق المرحلة الثانية من خطة الرئيس دونالد ترامب التي تبناها مجلس الأمن الدولي، وأن شروط الحياة ستبدأ في التحسن بشكل تدريجي. وكان هناك نوع من التفاؤل بحل مشكلة كبيرة للمرضى والجرحى الذين ينتظرون الخروج للعلاج في الخارج عبر معبر رفح، وكذلك للعالقين في مصر، والذين سجل عشرات الآلاف منهم أسماءهم في قائمة الراغبين في العودة إلى قطاع غزة لدى سفارة فلسطين في القاهرة. لكن ما جرى في اليوم الأول والثاني لفتح المعبر يعيدنا للواقع المأساوي الذي لم ينتهِ ولم يتغير، والذي يبرز وجود الاحتلال البغيض بكل جرائمه وخططه التي لم تتغير بخصوص تهجير المواطنين من قطاع غزة قسراً بعد تحويل الحياة إلى جحيم، بحيث يكون المخرج هو مغادرة أرض الوطن إلى أي جهة كانت.
الأرقام التي وافقت عليها سلطات الاحتلال سواء في العودة أول من أمس، أو المغادرة أمس، تؤكد أن المعاناة ستكون حاضرة بقوة في كل التفاصيل، فقد تمت الموافقة على عودة 42 مواطناً أول من أمس، ثم سُمح فقط لقائمة من 12 شخصاً من النساء والأطفال، الذين واجهوا إجراءات مُهينة في المعاملة والتفتيش من قبل المليشيات العميلة، وتمت مغادرة ثمانية مرضى ومرافقيهم. وأمس وافقت إسرائيل على سفر 50 مريضاً مع 100 مرافق ثم عادت وقلصت العدد إلى 45 مريضاً و90 مرافقاً. ثم تقلص العدد إلى 16 مريضاً و32 مرافقاً. ويبدو أن إسرائيل ستظل تتلاعب في هذه الورقة إلى أن يجري انسحاب قواتها بشكل كامل من قطاع غزة، وتُخلي منطقة رفح لكي يعود العمل على المعبر وفقاً لآلية اتفاق عام 2005 بشكل كامل. وهذا في الواقع هو نموذج واقعي يمثل تصرف الحكومة الإسرائيلية في التعامل مع كل الاتفاقات.
وعدا عن أهمية ممارسة الضغوط على الحكومة الإسرائيلية من قبل الوسطاء وعلى وجه الخصوص من جانب الرئيس الأميركي وأركان إدارته، هناك عمل على المستوى الفلسطيني الداخلي يجب أن يتم. فلا تكفي الشكاوى والمناشدات ولا حتى التهديدات الفارغة، بل ينبغي اعتماد سياسة فلسطينية محكمة لشل يد إسرائيل وقطع الطريق على أية ذرائع يمكن أن تستخدمها للهروب من تنفيذ دورها في الخطة الأميركية وقرار مجلس الأمن رقم 2803، وهذه مسؤولية حركة «حماس» بالدرجة الأولى، ومسؤولية كل القوى والمؤسسات الفلسطينية بصورة عامة. وحتى نخرج من الحديث العام الذي يبدو كدعوة لتغليب المصالح الوطنية لا تجد آذاناً صاغية لمن يتحكمون بالمشهد، نشير هنا إلى مسألتين: الأولى تتعلق بالسلطة المدنية في القطاع، والثانية تخص الملف الأمني.
«حماس» ملأت الدنيا تصريحات حول أوامر لموظفيها للتعاون مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وقالت في أكثر من مناسبة أنها أبلغت الموظفين بتسليم ملف السلطة المدنية كاملاً للجنة. ولكن في الحقيقة «حماس» تعمل كل ما في وسعها من أجل الاحتفاظ بالسلطة المدنية كاملة، وأن تكون اللجنة الوطنية غطاءً مقبولاً على المستويين الإقليمي والدولي لوجودها في مفاصل العمل المدني، وبقاء سلطتها الفعلية على الأرض. وهذا ما تفهمه إسرائيل جيداً وتسعى لمنعه من خلال استهداف موظفي «حماس» واستمرار العدوان والقصف ضد الأهداف المختلفة في غزة. والأجدى والمطلوب من «حماس» والسلطة الوطنية هو العمل فوراً على عودة موظفي السلطة لتبوّء مواقعهم في المؤسسات المدنية، ودمج مَن يحظى بالقبول الدولي من موظفي «حماس» في الجهاز المدني، وأن تسلّم «حماس» بصورة جدية ونهائية بانتهاء حكمها في القطاع، حتى لا تجد إسرائيل أي مبرر لمنع ممارسة السلطة تحت إشراف وممارسة اللجنة الوطنية وظيفتها في خدمة المواطنين وحل مشاكلهم العويصة والمعقدة. ووجود «حماس» في المشهد السلطوي هو ما تريده إسرائيل لكي تستمر في سياستها الإجرامية.
أما المسألة الأمنية، فأمرها بات واضحاً بصورة لا تقبل الجدل، وهو أنه لا يمكن قبول وجود مسلح لحركة «حماس» في قطاع غزة. وهذا يشمل كل أنواع السلاح، مع العلم أن «حماس» لا تمتلك عملياً سلاحاً يمكنه أن يهدد الأمن الإسرائيلي بشكل جدي، وأن ما تبقى لديها يندرج في إطار السلاح الشخصي المخصص فعلياً لبقاء سيطرتها على قطاع غزة وليس أكثر من ذلك. وللأسف تواصل «حماس» التذاكي وتطلق تصريحات هي من جانب ترفض التخلي عن السلاح بحجة الحق في «المقاومة»، وفي نفس الوقت تبث رسائل استجداء للإدارة الأميركية وإسرائيل بأنها على استعداد للقيام بأي دور لحماية أمن إسرائيل وحراسة حدودها ومنع الهجمات عليها، شرط الإبقاء على سلاحها الشخصي أي حكمها لقطاع غزة.
يبدو أن «حماس» لا تزال تصر على أكذوبة الانتصار في الحرب التي بدأت في هجوم السابع من أكتوبر، وترفض التسليم بما يراه الشعب الفلسطيني والعالم أجمع بأنها تسببت في كارثة كبرى للقضية الوطنية وللشعب لا يبدو أننا سنتخلص من نتائجها المأساوية في عقود قليلة من الزمن. وفي الواقع هذا ما تريده إسرائيل. فهي تستخدم هذا الخطاب الشعاراتي العقيم، وتبني عليه سياسة احتلالية بعيدة المدى قائمة على فكرة فصل قطاع غزة عن الضفة ومنع توحيد شقي الوطن والتهجير والضم والاستيطان. وهناك مصلحة مشتركة في بقاء غزة على حالها. فهل من بحث وطني حقيقي لهذا الوضع واعتماد خطة إستراتيجية وطنية للشعب الفلسطيني، بعيداً عن المجاملات الكاذبة والشعارات المدمرة التي تشارك النخب الفلسطينية في ترويجها؟