الكاتب: حسن خضر

مـادة سـريـعـة الاشـتـعـال في إمبراطورية مأزومة...!!

نشرت في 26 مايو 2026 11:02 ص

الكاتب: حسن خضر

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/430727



 

ما زلنا في معرض تشخيص اللحظة الترامبية في تاريخ أميركا والعالم. وهي، بقدر ما أرى، نتيجة تضافر واضح وفاضح بين خصوصيتين: شخصية ترامب من ناحية، وطبيعة العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية من ناحية ثانية. كلتاهما فريدة وغير قابلة للتكرار. ولهذا السبب، بالذات، تتجلى في كل محاولة لتفسير هذا التضافر تحيّزات ورهانات، لن تخلو منها حلبة السجال السياسي في وقت قريب. 
لا نأتي بالجديد إذا تكلمنا عن النفوذ الاستثنائي لجماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل في أروقة السلطة الأميركية على مدار عقود طويلة. أما الجديد فيتمثل في تكرار ونبرة وحجم ما استدعي، ويستدعي، النفوذ من سجالات وانتقادات داخل أميركا وخارجها، وفي تمفصله مع أحداث وتحوّلات تمس المصالح الحيوية للولايات المتحدة كدولة، بل والحياة اليومية للأميركيين كما يحدث الآن مع ارتفاع أسعار النفط، مثلاً.
لدينا من الشواهد ما يكفي ويصلح وسيلة للقياس. في العام 1985، مثلاً، نشر النائب الأميركي (عن الحزب الجمهوري) بول فندلي كتاباً بعنوان «من يجرؤ على الكلام» أوجز فيه خبرات وملاحظات، تراكمت على مدار عقدين من الزمن، شهد خلالها تدخل اللوبي المؤيد لإسرائيل، بالترهيب والترغيب، في السياستين الداخلية والخارجية للولايات المتحدة. كما ودفع هو، بصفة شخصية، ثمن عناده وإصراره على الكلام.
بعد فندلي بعقدين من الزمن تقريباً، نشر اثنان من أساتذة العلوم السياسية هما جون ميرشايمر وستيفن والت كتابهما العمدة «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة» (2006). لا يستمد الكتاب أهميته من المنهج التحليلي للكاتبين، فقط، وكلاهما علمٌ في تخصصه، ولا يقتصر على المرافعات الخاصة بالحرب على الإرهاب، وحروب أميركا الطويلة في الشرق الأوسط، وعليه، بما فيها غزو العراق، بل ويستخدم النماذج التحليلية نفسها لإثبات أن العامل الإسرائيلي حاضر بقوة في القرارات الأميركية ذات الصلة، وفي القول إن العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية مكلفة جداً بالنسبة للولايات المتحدة، ولا تعود عليها بالفائدة، بالضرورة، وإن كان ثمة من فائدة فهي محدودة جداً، أما الضرر ففادح وكبير.
يمثّل كتاب ميرشايمر ووالت مقارنة بكتاب فندلي نقلة نوعية، وراديكالية، في نقاش العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية. ومع ذلك يبدو نقلة معتدلة مقارنة بكتاب إيان لوستيك وإيلي كليفتون المتوقع صدوره بعد أشهر قليلة بعنوان «لوبي إسرائيل: أميركا في قبضة قوة أجنبية». 
العنوان قوي ولافت. غالباً ما عرفت سوق النشر والمطبوعات عبارات كهذه، ولكنها كانت وثيقة الصلة بجماعات هامشية تتبنى نظريات المؤامرة. لذا، يستمد هذا الكتاب أهميته من حقيقة أن إيان لوستيك أستاذ علوم سياسية مرموق في الأكاديميا الأميركية، تخصص في دراسات الشرق الأوسط، وعمل مستشاراً لشؤون الشرق الأوسط، وقضايا الصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي، في عدد من الإدارات الأميركية، بينما يعمل كليفتون مستشاراً لمؤسسة بحثية تسعى للحد من تورّط الولايات المتحدة في حروب خارجية.
وما يستحق الذكر، هنا، أنني نشرتُ في مطلع العام الماضي ترجمة لكتاب لوستيك الصادر بعنوان «المعيار المفقود: من حل الدولتين إلى واقع الدولة الواحدة». صدرت الترجمة عن مركز مدار للدراسات الإسرائيلية في رام الله، وفيها يعالج أسباب فشل حل الدولتين، ويعزو في فصل خاص أبرز أسباب الفشل إلى نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن، وإلى حقيقة أن العلاقة الخاصة بين أميركا وإسرائيل عرقلت توصل الإسرائيليين إلى سلام مع الفلسطينيين، وعلاوة عليه يُلقي بمسؤولية تدهور «معسكر السلام» الإسرائيلي و»الحمائم» على عاتق اللوبي، أيضاً.
يفصل قرابة عقدين من الزمن، أيضاً، بين كتابي ميرشايمر ولوستيك، وقد تقدّم الثاني خطوة هائلة، وانتقل بالمرافعة من فرضية العامل المؤثر إلى فرضية العامل المُقرر. واللافت في سياق كهذا أن حدثين هما حرب الإبادة في غزة، والحرب المشتركة ضد إيران نقلا مرافعة الثاني من الهامش، ووضعاها في مركز السجال العام، إلى حد تحوّلت معه، بكل ما تنطوي عليه من ألوان الطيف، مادة تكاد تكون يومية في الأخبار. وهذا ما تفعله، الآن، منصّات تقليدية وعريقة تنتمي إلى التيار الرئيس كجريدة نيويورك تايمز، ناهيك عن منصات التواصل الاجتماعي، وهي اشد فتكاً ونفوذاً من وسائل الإعلام التقليدية.
على أي حال، إذا شئنا رصد الخط البياني الصاعد على مدار أربعة عقود من فندلي، إلى ميرشايمر، إلى لوستيك، ومن هؤلاء إلى نيويورك تايمز، وتاكر كارلسون، وما لا يحصى من قنوات اليوتيوب، نلاحظ أن الكلام عن العلاقة الأميركية الإسرائيلية انتقل من الذكريات والخبرات الشخصية، إلى الأكاديميا، ومن الأكاديميا إلى وسائل الإعلام، والمنصات التقليدية لتشكيل الرأي العام، ومنها إلى وسائل التواصل الاجتماعي. 
ولنلاحظ، أيضاً، أن الفرضية الرئيسة، التي شكّلت مركز الثقل في مختلف مرافعات الخط البياني، تطوّرت وصارت أكثر صراحة وصدامية مع الانتقال من مرافعة إلى أُخرى، ناهيك عن تقصير المسافة الزمنية بين المرافعات. ومع ذلك، فإن التحوّل الأهم، الذي يمكن التمثيل له بالخط البياني نفسه، يتمثل في تحويل العلاقة الاستثنائية والفريدة إلى موضوع للصراع على الهوية والسياسات الاجتماعية، والسياسة الخارجية. وهذا جديد تماماً في الحقل السياسي الأميركي، ومادة سريعة الاشتعال في إمبراطورية مأزومة. فاصل ونواصل.