نشرت في 04 نوفمبر 2026 08:42 م
https://khbrpress.ps/post/437505
لم تعد أطنان الركام المتراكمة في شوارع قطاع غزة ومواضع بناياته المهدمة مجرد شواهد على ضخامة الدمار، بل تحولت إلى ساحة معركة يومية يخوضها السكان بأجسادهم الخاوية. في ظل منع الاحتلال الإسرائيلي الشامل لإدخال معدات الإعمار وآليات الرفع الثقيلة كالبواغر والجرافات، وجد الأهالي أنفسهم أمام واقع لا يرحم: إما العيش في الشارع، أو الدخول بين الكتل الخرسانية المتداعية واستخراج ما يمكن الانتفاع به، بأدوات بدائية لا تتعدى "المهدة" والمطرقة اليدوية، يواصل العمال وأصحاب المنازل تفتيت الصخور وتفكيك الأسقف المنهارة، لاستخراج أسياخ الحديد والبلاط الصالح للاستعمال، بهدف تسوية المكان ونصب خيام تستر عائلاتهم فوق الأرض التي كانت يوماً تلم شملهم.
فهرس المحتوى [إظهار]
مع غياب المعدات الحديثة التي ترفع أوزاناً من الإسمنت، فرضت الضرورة على السكان الابتكار الميداني القاسي. يتحرك العمال بين أنقاض المباني في رحلة بحث مضنية عن الحديد والإسمنت المتروك؛ فالحديد يُسحب ويُعدّل لتقوية هياكل الخيام أو يُباع لتوفير قوت اليوم، بينما يُجمع البلاط والخرسانة المفتتة لرصف الأرضيات الطينية وتأمين أسس متينة للخيام تتصدى لمياه الأمطار والرياح.
هذه العملية القاسية لا تخلو من المخاطر المميتة؛ فالعمل أسفل المباني المتصدعة وبلا مقومات سلامة يجعل كل ضربة بالمهدة اليدوية احتمالاً لانهيار جدار مائل أو كتلة إسمنتية معلقة، مما يحول السعي الإنساني البسيط للعيش إلى مغامرة يومية بليغة الخطورة.
تحسين (عامل في إزالة الأنقاض)، يقول: "نخرج مع اقتراب الفجر ونحمل المهدات التي تزن كيلوغرامات ثقيلة، ونستمر بالضرب على الباطون لساعات حتى تدمى أيدينا. العمل بين الجدران الآيلة للسقوط يمنحك شعوراً بأنك تسير على حبل مشدود؛ كل ضربة مطرقة قد ترفع عنا الركام أو تسقطه فوق رؤوسنا، لكننا مجبرون، فليس لدينا بديل لإطعام أطفالنا إلا تفتيت هذه الصخور".
محمود، وهو (عامل تجميع حديد وبلاط)، يقول لوكالة خبر: "البواغر والجرافات غير موجودة، وما كان منها متوفراً تضمن الحصار تدميره أو منع الوقود عنه، نعتمد على عضلاتنا فقط لاستخراج قضبان الحديد وتعديلها يدوياً. نعمل تحت الشمس بين الغبار والاستنشاق المستمر للغبار الناعم، وحين نعود لخيامنا في المساء نكون غير قادرين على تحريك أجسادنا من شدة التعب".
حسن أبو العطا يقول: "مهمتنا ليست مجرد هدم أو رفع، بل هي محاولة لتأمين مساحة آمنة لتنصب الناس خيامهم. نرفع قطع الإسمنت الضخمة بالعتلات البدائية ونقطع الحديد بالمنشار اليدوي. لقد تكرر منظر الإصابات بين الأصدقاء بسبب شظايا الحجارة أو الانهيارات المفاجئة، لكن الجوع والحاجة أشد قسوة من الخوف، باختصار لا يوجد بديل لكي نعيش".
أما أصحاب المنازل المدمرة، فيجدون أنفسهم أمام خيارات قاسية ومعدومة. يعود النازحون إلى ركام بيوتهم ليكتشفوا أنها تحولت إلى مقابر جماعية لأملهم وذكرياتهم، ويضطرون إلى إزالة الأنقاض بأيديهم لإفساح مساحة صغيرة لنصب خيامهم فوق الأرض التي كانت يوماً تأويهم.
أبو محمد عز الدين، مواطن خسر بيته ومصدر دخله، وأصبحت الخيمة خيبته الملازمة له كبقية المواطنين في غزة، يقول: "قضيت سنوات عمري في بناء هذا البيت، واليوم أقف مع أبنائي نكسر حجارة سقفنا بأيدينا. لا نملك المال لاستئجار آليات ثقيلة إن وُجدت، والاحتلال يمنع دخول أي معدات رفع. لم نجد مكاناً نلجأ إليه، لذلك نقوم بتنظيف زاوية صغيرة من البيت المهدم لننصب فوقها الخيمة، لأننا نرفض مغادرة أرضنا".
أم إبراهيم الشرفا تقول: "العيش في الخيمة صعب، ونصبها فوق أرض طينية يجعل الأمر أكثر تعقيداً ومستحيلاً عند المطر. فنبحث عن البلاط الحجري وحصى الخرسانة من تحت الأنقاض لنفرش بها أرضية الخيمة حتى نحمي الصغار من البرد والرطوبة. نتعامل مع ركام بيوتنا كما لو كان مواد بناء جديدة، فنستخرج كل سيخ حديد نثبت به قماش الخيمة".
أحمد خلف يقول: "منظر بيتنا وهو أثر بعد عين يدمي القلب، ولكن الأشد إيلاماً هو أننا نضطر لحفر ركامنا بأساليب بدائية جداً لكي نجد متسعاً لمأوى مؤقت. الاحتلال يمارس علينا حصاراً مزدوجاً: دمر السكن ومنع معدات رفع الدمار وإعادة البناء. نرفع حجارتنا بأيدينا حجراً بحجر لكي نثبت للعالم أننا باقون هنا رغم كل شيء".
يرى خبراء ومختصون في الشأن التنموي والإنساني أن منع دخول المعدات الثقيلة ومواد البناء يمثل ركناً أساسياً في تعميق الأزمة الإنسانية في القطاع. فمع تراكم ملايين أطنان الخرسانة المنهارة، يصبح من المستحيل البدء بأي خطوات إغاثية تنظيمية أو تمهيد الطرق والمربعات السكنية دون وجود جرافات وحفارات تعمل بطاقة عالية.
ويؤكد المختصون أن لجوء المواطنين للوسائل البدائية، رغم كونه يجسد أعلى مستويات التكيف والصمود، إلا أنه يستنزف طاقات طائلة ويؤدي إلى أضرار صحية جسيمة جراء استنشاق الغبار السام وخطورة التعرض للإصابات، مشددين على أن إدخال الآليات ومواد البناء ليس خياراً رفاهياً، بل هو حاجة إنسانية طارئة لإيقاف تدهور الأوضاع المعيشية والبيئية في غزة.




