نشرت في 31 يوليو 2026 10:10 ص
https://khbrpress.ps/post/433290
ما إن توقفت حرب الخليج الأولى التي استمرت ثماني سنوات، بين العراق وإيران، ما بين عامَي 1980 - 1988، حتى انطلقت الأبواق الإسرائيلية تحريضاً على العراق، بدعوى أن جيشه خرج من الحرب قوياً، وبات يهدد مع نظام معاد لها، وجودها، إلى أن وجدت ضالتها بعد ذلك بسنوات قليلة، حين اجتاح العراق فجأة الكويت بدافع كان له علاقة بما أثقل به الاقتصاد العراقي من تبعات الحرب، التي رأى أنه قد خاضها نيابة عن دول الخليج العربية كلها، وفعلاً سرعان ما استجابت أميركا للتحريض الإسرائيلي وشنت حرباً أولى على العراق، أخرجته بنتيجتها من الكويت، ثم فرضت عليه حصاراً خانقاً، أضعفه إلى حدود قصوى، إلى أن صار هشاً للغاية بعد اثني عشر عاماً، فكان أن احتل الأميركيون بغداد، وأسقطوا نظام صدام حسين، وحققوا بذلك ما كانت تصبو إليه إسرائيل.
ومنذ ذلك العام، أي منذ ما بعد العام 2003، تحوّل التحريض الإسرائيلي إلى إيران، وهذا يؤكد أنه لا أصدقاء لإسرائيل، فهي كانت تنظر للمتحاربَين (عراق صدام حسين وإيران آيات الله) عدواً مزدوجاً، وإن كانا يتحاربان فيما بينهما، لكن ولأسباب عديدة، لا مجال لشرحها، ظلت أميركا تصد التحريض والحث الإسرائيلي بشن حرب على إيران مشابهة في نتائجها لتلك التي سبق لها وشنتها على العراق، إلى أن نجحت إسرائيل مع إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، أولاً بمنحها الضوء الأخضر لشن حرب الاثني عشر يوماً، والتي شاركها فيها في يومها الأخير، وكانت تركز على هدف ضرب البرنامج النووي الإيراني، وكان ذلك في حزيران من العام الماضي 2025، ثم لم تتوقف إسرائيل، وواصلت التحريض على ضرب إيران، في سياق حرب إقليمية، ما زالت تواصلها منذ ثلاث سنوات، للسيطرة على الشرق الأوسط كله، إلى أن نجحت مجدداً في شن الحرب التي استمرت أربعين يوماً، ولم تتوقف، وإن كان مسارها صار متقطعاً، وذلك بالشراكة مع أميركا، لتحقيق أهداف أبعد من البرنامج النووي.
احتاجت إسرائيل أولاً لضوء أخضر من واشنطن لتوجيه ضربة لإيران، ثم إلى مشاركتها، ثم إلى خوض الحرب معها، وهذا يعني أن إسرائيل ما زالت دولة تحتاج إلى القوة الأميركية لإزالة الخطر الوجودي، رغم تفوقها العسكري على كل دول المنطقة، وهذا يعني أنها دولة ليست مستقلة، وأنها مقابل «الحماية» الأميركية العسكرية والسياسية، مضطرة لأن تقدم العديد من مظاهر عدم الاستقلال وانتقاص السيادة الوطنية، واعتماد إسرائيل على الدعم العسكري والسياسي الأميركي ما زال ضرورياً، ويمكن لأي مهتم أن يتخيل ماذا سيكون عليه حال إسرائيل في مواجهة إيران فقط، وليس في مواجهة كل دول الإقليم، دون شراكة عسكرية أميركية، بل دون إسناد ودعم عسكري وسياسي، كما هو واقع حال كل دول العالم المستقلة، وما يزيد من أهمية التفكير بهذا الأمر هو أن نتنياهو نفسه قد تطرق إليه، لكنه أعرب عن أمله في أن تستغني إسرائيل عن الاعتماد العسكري على أميركا، ولكن بعد عشر سنين!
من يمكنه أن يضمن أن تظل أميركا على استعداد لخوض الحروب نيابة عن إسرائيل، أو على استعداد لنجدتها فوراً، في حال أوشكت على السقوط، وذلك طوال عشر سنين قادمة؟ خاصة أن إسرائيل ما زالت تصر على عدم «تسوية» أوضاعها عبر حل الدولتين، لتعيش في سلام إقليمي، وهي ما زالت تعيش في جغرافيا لا تنتمي إليها، ما يسبب لها حالة العداء، التي تتفاقم كثيراً، بل تتضاعف بعد أن انتقلت إسرائيل خلال العقود الثلاثة الماضية، من «دولة الأشكناز الديمقراطية» إلى «مشروع إسرائيل الكبرى» الذي يرفع رايته اليمين المتطرف، المؤمن بأيديولوجيا جابوتنسكي، ما يجعل إسرائيل عدواً ليس فقط للشعب الفلسطيني، ولكن لكل دول وشعوب الشرق الأوسط، وقد اتضح هذا جلياً في إعلان نتنياهو الصريح خلال الحرب.
عموماً ومن أجل أن نتجنب الكثير من التفاصيل، يمكننا القول: إن «دولة إسرائيل» ليست دولة طبيعية ككل دول العالم، ولا يعود ذلك لظروف نشأتها. ويكفينا هنا أن نشير إلى أنها ما زالت تخوض حروباً متواصلة ومستمرة، منذ عام 1948 وحتى الآن، ولم تقتصر هذه الحروب على الشعب الفلسطيني، الذي قاتل من أجل عدم إعلانها قبل ذلك أي خلال الفترة من 1917 - 1948. حيث كان الصراع يجري داخل حدود فلسطين الانتدابية بين المجاهدين الفلسطينيين من جانب، وقوات الانتداب والعصابات الصهيونية من جانب آخر، أما بعد إعلان دولة إسرائيل عام 1948، فقد كانت الحرب خلال ذلك العام بين العصابات الصهيونية التي شكلت جيش إسرائيل بعد إعلان الدولة، وبين سبعة جيوش عربية.
ثم كانت الحروب التي تلت ذلك خلال أعوام 1956، 1967، 1973، 2000، 2006، 2024 - 2025، أي باستثناء حرب العام 1982، وكذلك انتفاضة 1987، هي بين إسرائيل والدول المحيطة بإسرائيل.
أي أن الصراع عملياً له علاقة مركبة، جزء منها خاص بالشعب الفلسطيني، بسبب قيام إسرائيل بتجاوز حدود التقسيم، ثم باحتلال كامل أرض دولة فلسطين حسب ذلك القرار، أما الجزء الآخر فله علاقة بوظيفتها الاستعمارية التي أنيطت بها من قبل الغرب الاستعماري، أي بريطانيا وفرنسا أولاً ومن ثم أميركا تالياً، وقد ظهر هذا في انخراط إسرائيل في حرب 56 التي شنتها بريطانيا وفرنسا ضد مصر - عبد الناصر، بسبب إقدامه على تأميم قناة السويس، فيما ظهر الإسناد والدعم ومن ثم الحماية الأميركية لإسرائيل في حروبها مع مصر وسورية خلال أعوام 67، 73.
لا بد من أجل قراءة مستقبل إسرائيل في الشرق الأوسط متابعة علاقة الغرب بهذا الإقليم، فبعد أن خرج الغرب الأوروبي من المنطقة، تضاءل اعتماد إسرائيل على دوله، خاصة بريطانيا التي كانت السبب في نشأة فكرة دولة إسرائيل في فلسطين، ومن ثم حسمت أمر قيامها بإرساء كل الأسس لذلك ما بين عامَي 1917 - 1948، وفرنسا التي كانت الداعم العسكري لإسرائيل حتى العام 67، بقيامها بإنشاء مفاعل ديمونة النووي، وبتزويدها بطائرات الميستير والميراج الفرنسية، بعد ذلك باتت إسرائيل تعتمد بشكل شبه تام على أميركا، إن كان بالدعم العسكري المباشر أو السياسي أو عبر المنح والقروض المالية، وكان ذلك وفق قول المتابعين بمثابة «تمويل» حاملة طائرات أميركية في الشرق الأوسط، بالإشارة إلى حاملات الطائرات الأميركية المنتشرة في محيطات العالم، لتأمين السيطرة الأميركية على الكرة الأرضية بأسرها.
ملخص القول هنا: إن هذه الفترة تعتبر فاصلة في تحديد مستقبل إسرائيل، استناداً إلى تضاؤل القدرة الأميركية، وتهاوي نظامها العالمي وحيد القطبية الذي نشأ بعد الحرب الباردة، لذلك فقد سارعت إسرائيل لاستثمار ما أعدت نفسها من أجله منذ ثلاثة عقود، من تجاوز الفاصل العرضي الذي تمثل باتفاق أوسلو، نقصد مسيرة اليمين الشوفيني الإسرائيلي، المستند إلى الليكود الجابوتنسكي، الذي ما زال يحكم إسرائيل منذ عام 1976، حتى الآن، مع تدرجات من اليمين الليبرالي إلى اليمين الشوفيني المتطرف، المستند حالياً بوضوح وصراحة لقاعدة انتخابية نواتها المستوطنون المحتلون، وكان هدفها هو قيام دولة إسرائيل الكبرى على كامل جغرافيا فلسطين الانتدابية، وإسرائيل العظمى في الشرق الأوسط، لهذا كان عدوها المباشر هو «الكيانية الفلسطينية»، أي محاربة كل ما يمكنه أن يؤدي إلى «كيان فلسطيني» حتى لو كان حكماً ذاتياً، أو «إمارة» صغيرة في غزة، وعدوها الإقليمي وهو كل من يرفض مبدأ التطبيع معها وفق منطق سلام القوة!
هكذا شنت الحرب بعد أن تحققت لها الذريعة التي هيأت الظروف لها منذ فترة، أي طوال فترات حكم نتنياهو، لتحقيق الهدف المركب، أي تهجير وضم كل أرض فلسطين (غزة والضفة)، وفرض السيطرة على الشرق الأوسط كله، بتوجيه الحرب ضد إيران وحلفائها، وما بين هذا وذاك تفاصيل، من نمط رفض إدخال كل اللاعبين الذين يمكن أن يشكلوا منافسين لإسرائيل في السيطرة على الشرق الأوسط، مثل تركيا، مصر، السعودية وحتى قطر، وهكذا فقد اتضحت الصورة تماماً، حيث باتت إسرائيل عدواً مباشراً وصريحاً للجميع في الشرق الأوسط.
ولأنها ما زالت بحاجة إلى الحماية والدعم والإسناد الأميركي، فإنها غير قادرة على تنفيذ هدفها الإقليمي دون ذلك الإسناد، والذي يكون فقط في حالة مواصلة أميركا وظيفتها الاستعمارية في المنطقة، لكن أميركا نفسها باتت تواجه تحديات كونية تهدد زعامتها للنظام العالمي، لذلك فإن الخلاف بين الأولويات الأميركية باتت هي الفيصل في تحديد مستقبل إسرائيل، إن كان سيكون نحو إسرائيل الكبرى والعظمى، أو نحو إسرائيل قرار التقسيم، أي دولة داخل النظام الإقليمي الشرق أوسطي وليست دولة فوق هذا النظام، أو دولة عظمى به تتحكم بمقاليده.