نشرت في 11 فبراير 2026 11:22 ص
https://khbrpress.ps/post/426513
في زمن تتسارع فيه التغيّرات وتزداد فيه التحديات التي تواجه المؤسسات التربوية، لم يعد التخطيط التربوي خيارًا تنظيميًا فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية ترسم ملامح المستقبل التعليمي. فبينما تمتلك العديد من المؤسسات رؤية طموحة، يبقى السؤال الأهم: كيف نترجم تلك الرؤية إلى واقع فعّال داخل المدرسة؟ هنا يبرز دور التخطيط الاستراتيجي بوصفه الجسر الذي يصل بين الحلم والتنفيذ، وبين الفكرة والتأثير. ومن خلاله تتحول المدرسة من مؤسسة تعمل بردّ الفعل إلى منظومة قادرة على التنبؤ، واستشراف المستقبل، وصناعة التغيير بوعي واحتراف.
وفي هذا المقال، نسلط الضوء على دور التخطيط الاستراتيجي في بناء مدرسة فعّالة، ونستعرض كيف يمكن للقادة التربويين تحويل الخطط المكتوبة إلى ممارسات تعليمية تترك أثرًا حقيقيًا على الطالب والمعلم والمجتمع.
مفهوم التخطيط الاستراتيجي في التعليم
"يقصد بالتخطيط الاستراتيجي ذلك النوع من التخطيط المستقبلي الذي يراعى ما يحيط بالمؤسسة من قوى خارجية باعتبار أنها قد تكون أكثر تأثيراً في قوتها من القوى والعوامل الداخلية في المدرسة أو المؤسسة بما يسهم في إمكانية اكتشاف واستطلاع الفرص والإمكانيات الجديدة المختلفة والمتاحة لمستقبل المدرسة أو المؤسسة، وبالتالي فهو يعني وضع التصور المستقبلي الأمثل للمؤسسة من خلال دراسة ماضيها، ووضعها الحالي، والعوامل المختلفة التي يمكن أن تؤثر عليها في المستقبل، داخلياً وخارجياً، سواء أكان هذا التأثير سلبياً أم إيجابياً، وفي ضوء هذا يتم وضع مجموعة من الأهداف، والخطط، والخطط البديلة، التي تراعى مواطن القوة والضعف، وتجنب المخاطر واقتناص الفرص حتى تنتقل بالمؤسسة بصورة تدريجية من الوضع الحالي إلى التصور المستقبلي الأمثل والمرغوب فيه" (الفيتوري،2019م).
-كما عرُف أيضاً بأنه العملية التي يتم بواسطتها تصور مستقبل المؤسسة وعملية تطوير الوسائل والعمليات الضرورية لتحقيق هذا المستقبل وتضع أجوبة صحيحة وكاملة للأسئلة التالية:
1 - أين نذهب في مسيرتنا؟
2 - ما هي النقطة أو المنطقة أو البيئة أو المرحلة التي نذهب إليها من حيث كيفيتها وشروطها وظروفها؟
3 - كيف نصل إلى ما نريد؟
ومن هنا يمكن تعريف التخطيط الاستراتيجي إجرائياً بأنه "منهج مستقبلي وعملية شاملة تقوم على استشراف المستقبل وإدراك المتغيرات المرتبطة بالبيئة الداخلية والخارجية للمؤسسة التعليمية بهدف الانتقال من الوضع الحالي إلى الوضع المأمول الذي يعني بتحقيق جودة التعليم" .
دور القيادة التربوية في إنجاح التخطيط الاستراتيجي
لا يكفي أن تكون هناك خطة مكتوبة؛ بل لا بد من قيادة تربوية فعّالة من مدير المدرسة وفريق العمل الإداري يلتزمون بتنفيذها، ويوفرون البيئة الملائمة لها.
خطوات تحويل الخطة الاستراتيجية إلى واقع مدرسي
1. تحليل البيئة المدرسية : معرفة نقاط القوة والضعف داخل المدرسة، وكذلك الفرص والتهديدات من خارجها (كالبيئة الاجتماعية، السياسات التعليمية، الموارد).
2. صياغة الأهداف الاستراتيجية : تكون الأهداف واضحة، قابلة للقياس، واقعية، ومحددة بزمن.
3. تحديد المبادرات والأنشطة: مثل تطوير المناهج، تدريب المعلمين، تحسين البنية التحتية، إشراك أولياء الأمور، بناء شراكات مجتمعية.
4. تنفيذ الخطة بمشاركة جميع الأطراف المعنية: الإدارة، المعلمون، الطلاب، المجتمع المدرسي.
5. متابعة وتقييم الأداء: استخدام مؤشرات أداء (تحصيل طلاب، جودة التدريس، مستوى الانضباط، مشاركة المجتمع…) وقياس مدى التقدم نحو الأهداف.
هذا ليس مجرد تصور نظري، بل نهج تطبقه المؤسسات التعليمية كطريق نحو مدرسة فعّالة ومستدامة.
أدوات التحليل الاستراتيجي ودورها في التخطيط
• تحليل SWOT : أداة بسيطة وفعالة تُستخدم لتقييم وضع المؤسسة، وتساعد القيادة على فهم مكامن القوة والضعف الداخلي، والفرص والتهديدات الخارجية.
• تحليل PESTEL : يسمح بفهم البيئة الخارجية الكلية وتأثيراتها على المؤسسة، وهو ضروري لتعديل الاستراتيجيات وتوجيه السياسات.
• تحليل القوى الخمس لبورتر(PORTER) يُستخدم لتقييم درجة التنافس داخل السوق، مما يساعد في بناء استراتيجيات دفاعية وهجومية فعالة.
• تحليل عوامل النجاح الحرجة (Critical Success Factors): هي عدد محدود من الغوامل التي تحدد من قبل الإدارة العليا لكل مؤسسة، وتختلف من مؤسسة لأخرى حسب نشاطها وحجمها وطريقة آدائها لعملها.
مواصفات فريق العمل الناجح
أوصى القرشي(2024م) باختيار فريق عمل مؤهل لوضع الخطة وخلق بيئة داعمة للتفكير الاستراتيجي داخل المؤسسة، يتمتع هذا الفريق بمجموعة من المواصفات، أهمها:
• الرؤية والاستراتيجية: يجب أن يكون أفراد الفريق قادرين على فهم رؤية المؤسسة والأهداف الاستراتيجية للمؤسسة على المدى الطويل، ويمكنهم تحويل هذه الرؤية إلى خطط عمل قابلة للتنفيذ.
• الإبداع والتفكير الاستراتيجي: حيث يجب أن يكون أفراد الفريق قادرين على التفكير الاستراتيجي وإظهار الإبداع في توليد الأفكار والحلول الابتكارية التي تعزز تحقيق الأهداف الاستراتيجية.
• الإتصال والتعاون: حيث يجب أن يتمتع أعضاء الفريق بمهارات تواصل ممتازة وقدرة على التعاون مع الآخرين داخل المؤسسة، بما في ذلك القدرة على التفاعل مع أقسام مختلفة والعمل بروح الفريق.
• القيادة وإدارة التغيير : يجب أن يكون لدى أعضاء الفريق قدرة على القيادة وادارة التغيير، والقدرة على تحفيز وتوجيه باقي الموظفين نحو تنفيذ الخطط الاستراتيجية بفعالية.
أدوات قياس الأداء: كيف نعرف أننا نتقدم نحو رؤيتنا؟
التخطيط الاستراتيجي لا يهدف إلى صياغة رؤية وأهداف فحسب، بل تحويلها إلى واقع ملموس يحقق نمواً مستداماً. وقد بيّن القرشي (2024) أهمية أدوات التقويم والمراقبة، وأن من أهم متطلبات التخطيط الفعّال هو “تقييم تنفيذ الخطة ومراقبتها من خلال فرق تخطيط استراتيجي، اعتماد آليات للتقويم الذاتي، وتقييم خارجي عند الحاجة” .
تحديات تطبيق التخطيط الاستراتيجي في المدارس العربية رغم الفوائد النظرية الكبيرة للتخطيط الاستراتيجي،إلا أن كثير من المدارس لا تحقق الاستفادة الكاملة بسبب معوقات مختلفة من أهمها:
1.كثرة المسؤوليات والمهام الملقاة على عاتق قائد المدرسة والتي تكون سببا رئيسا في ضعف قدرته على القيام بدوره بالشكل المطلوب في مواجهة المشكلات المدرسية وتسيير العمل المدرسي على الوجه المطلوب.
2. تدنى الدعم المالي المقدم للادارة المدرسية لتطبيق الإدارة المتمركزة على
المدرسة وذلك يدل على أن التخطيط لتطبيق مدخل القيادة المتمركزة على المدرسة يحتاج لتوفير الدعم المالي كي تتمكن الإدارة المدرسية من توظيف هذا الدعم واستغلاله بالشكل الأمثل والذي يمكن من تطبيق مدخل الإدارة المتمركزة على المدرسة بنجاح.
3. قلة الصلاحيات الإدارية الممنوحة للادراة المدرسية وإتباع المركزية في إدارة شؤونها المالية والإدارية . وتعكس هذه النتيجة أهمية تفويض القيادة المدرسية في القيام على شؤون المدرسة بشكل كامل في ظل صلاحيات إدارية تامة يقابلها مساءلة ومحاسبية على النتائج.
4. قصور مهارات التخطيط الاستراتيجي لدى مديري المدارس اللازمة لتطبيق الإدارة المتمركزة على المدرسة.
وذلك يدل على أن استخدام التخطيط الإستراتيجي في المؤسسات التعليمية عملية ضرورية لأنه يؤدى إلى رفع وتحسين الكفاءة في الأداء، بالإضافة إلى أنه يتناسب ومتطلبات الإدارة الإستراتيجية التي تسعى إليها كل المؤسسات، ويستلزم استخدام التخطيط الإستراتيجي أن تكون لدى قيادة المدرسة المهارات اللازمة لمعرفة كيفية تحديد رؤية المدرسة ورسالتها والتي يجب أن تنبع من قيم وفلسفة المجتمع الذي تعد المدرسة جزءاً من ووجدت لخدمته (دسوقي،2020).
تجارب ناجحة: نماذج من مدارس طبّقت التخطيط الاستراتيجي بفعالية من خلال البحث في التجارب الميدانية، أظهرت دراسة في مدارس التعليم الأساسي بمنطقة شمال سيناء أن هناك “تطبيقًا لمراحل التخطيط الاستراتيجي بدرجة بداية التوافر، رغم بعض الصعوبات مثل غياب حوافز مادية ومعنوية، وغياب ميزانية خاصة لمشروعات الخطة“.
وربما يرجع ذلك إلى أن مدارس التعليم الأساسي بشمال سيناء تسعى لتطبيق مراحل التخطيط الاستراتيجي، والوصول إلى تحسين الأداء المؤسسي بها في ظروف صعبة للغاية، حيث تشهد محافظة شمال سيناء عدم استقرار بسبب الظروف الأمنية بالإضافة إلى قلة وجود ميزانية مخصصة للتخطيط الاستراتيجي في مدارس التعليم الأساسي. هذه التجربة تُبرز أنه حتى في بيئات صعبة، يمكن بدء التفكير الاستراتيجي — وهو ما يمثل فرصة كبيرة للتطوير والتحسين (العكاوي،2021م).
وتجدر الإشارة إلى أن التخطيط الاستراتيجي ليس رفاهية إدارية أو موجة مؤقتة، بل هو منهج للتغيير المستدام في المدارس. عندما تُبنى رؤية واضحة، وتُترجم إلى خطة مدروسة، ويُنفّذ كل شيء بدعم قيادي ومتابعة، يمكن للمدرسة أن تتحول من بنية جامدة إلى فضاء ديناميكي، قادر على مواجهة التحديات، وتحقيق الجودة، وتنشئة جيل قادر على المساهمة في بناء المجتمع.
إذا كنا نسعى لتعليم فعّال يتجاوز مجرد التعليم من أجل الامتحان، ويصبح بناء القدرة والمعرفة والمهارات فإن التخطيط الاستراتيجي هو البوابة التي علينا أن ندخل منها.
المراجع
1- العكاوي،سمر.(يوليو،2021م). واقع التخطيط الاستراتيجي في مدارس التعليم الأساسي بشمال سيناء ودوره في تحسين الأداء المؤسسي (دراسة ميدانية).مجلة كلية التربية ،جامعة العريش، السنة التاسعة، العدد (27).
2- الفيتورى، مفتاح. (2019م). التخطيط الاستراتيجي في التعليم (مقالة مرجعية). المجلة الدولية للتنمية،8(1)،209-216.
3- القرشي،أحمد.(يناير،2024م). منهجية التخطيط الاستراتيجي للجامعات. مجلة دراسات تربوية واجتماعية،مجلد(30).
4- دسوقي، دعاء.(2020م).التخطيط الاستراتيجي كمدخل لتطبيق الإدارة المتمركزة على المدرسة من وجهة نظر مديري المدارس الثانوية في مصر. مجلة دراسات تربوية واجتماعية،26(7)،29-136.