د. منصور أبو كريم باحث في الشؤون السياسية

من طهران إلى غزة: قراءة في تداعيات النزاع الإقليمي

نشرت في 07 مارس 2026 11:13 ص

د. منصور أبو كريم باحث في الشؤون السياسية

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/427495

يشكّل الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، محورًا أساسيًا لفهم الديناميات السياسية في الشرق الأوسط. فالمنطقة تعيش حالة تشابك أمني وسياسي تجعل من الصعب عزل أي تطور في دولة محورية عن محيطها الإقليمي. ومن هذا المنطلق، يبرز قطاع غزة كمؤشر مهم لقياس أثر النزاعات الإقليمية على الواقع الفلسطيني، سواء على صعيد الفصائل السياسية، أو البنية الاقتصادية والاجتماعية للقطاع.

إن استمرار الحرب على إيران، وإسقاط نظامها السياسي أو تعرضها لاستنزاف عسكري واقتصادي كبير، لن يكون حدثًا داخليًا صرفًا، بل ستكون له تداعيات مباشرة وغير مباشرة على عدد من الملفات، وفي مقدمتها الملف الفلسطيني، وقطاع غزة على وجه الخصوص. فقد ارتبطت طهران خلال العقود الماضية بعلاقات دعم سياسي ومالي وعسكري مع عدد من الفصائل الفلسطينية، خاصة تلك التي تتبنى خيار العمل المسلح. وبالتالي، فإن أي تراجع في قدرات إيران أو انشغالها بأزماتها الداخلية سيؤدي حتمًا إلى إعادة ترتيب أولوياتها الخارجية.

في هذا السياق، قد ينعكس إضعاف إيران على طبيعة الدعم المقدم إلى غزة، سواء من حيث التمويل أو الإسناد اللوجستي والسياسي. وهذا بدوره قد يفاقم الأزمات الاقتصادية التي يعيشها القطاع أصلًا، ويضع الفصائل أمام تحديات غير مسبوقة، خصوصًا فيما يتعلق بإدارة الحكم، وتأمين الموارد، والحفاظ على تماسك بنيتها التنظيمية والعسكرية.

كما أن ملف سلاح الفصائل سيصبح أكثر حساسية في حال تغيرت موازين القوى الإقليمية. فغياب أو تراجع الغطاء الإقليمي الداعم قد يفتح الباب أمام ضغوط دولية وإقليمية متزايدة لإعادة طرح مسألة نزع السلاح أو إعادة تنظيمه ضمن ترتيبات سياسية جديدة. وفي المقابل، قد تسعى بعض الأطراف إلى تعزيز حضورها في الساحة الفلسطينية لملء أي فراغ محتمل، ما يضيف عنصرًا جديدًا من التعقيد إلى المشهد.

على مدار العقود الماضية، ارتبطت إيران بعلاقات دعم متعددة الأبعاد مع فصائل فلسطينية، خاصة تلك التي تعتمد خيار العمل المسلح، سواء من حيث التمويل، أو الإسناد اللوجستي، أو الدعم السياسي والدبلوماسي. لذلك، فإن أي ضعف في قدرة إيران على ممارسة دورها الإقليمي، نتيجة أزمات داخلية أو صراع خارجي، سينعكس بشكل مباشر على هذه الفصائل وعلى قدرتها على إدارة ملف غزة داخليًا. إن تراجع الدعم الإيراني قد يؤدي إلى تقليص الموارد المالية والسياسية المتاحة للفصائل، وتفاقم الأزمات الاقتصادية في غزة، وزيادة الضغوط على الفصائل للحفاظ على التماسك التنظيمي والعسكري.

تغيّر موازين القوى نتيجة النزاعات الإقليمية يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. ففي حال ضعف التأثير الإيراني، قد تزداد الضغوط الدولية والإقليمية على غزة لإعادة تنظيم ملف السلاح، بينما تسعى أطراف إقليمية أخرى لتعزيز حضورها في الساحة الفلسطينية وملء أي فراغ محتمل. ومنذ السابع من أكتوبر، شهدت المنطقة مرحلة إعادة تشكيل عميقة أعادت خلط التحالفات وإعادة تعريف الاصطفافات، ما يضع الحركات الفلسطينية والإسلامية أمام اختبار تاريخي في قدرتها على التكيف مع التحولات السريعة.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى غزة بمعزل عن محيطها الإقليمي. فأي تحول جذري في إيران- سواء كان عسكريًا أو سياسيًا - سيجد صداه في القطاع، بدرجات متفاوتة. والسؤال لم يعد ما إذا كانت النتائج ستنعكس على غزة، بل كيف ستتجلى هذه الانعكاسات، ومن سيكون الأكثر قدرة على التكيف مع المرحلة المقبلة.