نشرت في 24 يونيو 2026 11:08 ص
https://khbrpress.ps/post/431850
بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، وعلى خلفية جرائم الحرب والإبادة الجماعة التي نفذتها إسرائيل في قطاع غزة، تضعضع وضع إسرائيل على المستوى الدولي بصورة لم يسبق لها مثيل منذ قيامها. والخسارة الأهم كانت في الرأي العام العالمي، خاصة في الدول التي كانت وبعضها لا يزال يدعم إسرائيل ويغطي على جرائمها. وهذا قاد إلى تغير ملحوظ في مواقف معظم دول العالم من الخرق الفظ لكل قواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان والسلوك القويم لأي دولة أو كيان سياسي في القرن الحادي والعشرين. مع العلم أن بعض الدول لا تزال تعتمد على القوة في سلوكها وتقوم بتجاهل الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتلجأ لسياسة البلطجة وأخذ القانون باليد، على غرار ما قامت به الولايات المتحدة في أكثر من بلد وآخرها فنزويلا وإيران. ولكن ليس لمستوى ما قامت به إسرائيل من جرائم.
وقد وصل مستوى ردود الفعل الدولية إلى صدور مذكرة استدعاء من قبل المحكمة الجنائية الدولية لكل من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق يوآف غالانت. كما فرضت عقوبات على وزراء ومستوطنين وعصابات وكيانات مرتبطة بالعنف والإرهاب الذي يمارسه المستوطنون بشراكة كاملة ودعم من الحكومة الإسرائيلية. وقد أضحت إسرائيل في أسوأ صورها أمام المجتمع الدولي، وباتت حكومتها معزولة ومنبوذة على نطاق واسع.
ولكن هذا كله لا يوازي التحول في الرأي العام الأميركي وموقف الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترامب من نتنياهو ومن الحكومة برمّتها، بحيث خرج موضوع الخلاف بين الطرفين إلى العلن وإلى توجيه اللوم والانتقاد بصورة فظة وغير معتادة في العلاقة بين الدولتين. ففي السابق عندما كانت تحدث خلافات كانت تتم معالجتها بهدوء بعيداً عن الهجوم المباشر على إسرائيل.
اليوم لا يتورع الرئيس ترامب عن مهاجمة نتنياهو علناً، وبصورة متكررة، بالحديث عن وجود خلافات في الرأي بخصوص معالجة الملف الإيراني، ووصفه بأنه «يتصرف بشكل مندفع» ( «وول ستريت جورنال» 19/6)، إلى سؤاله «ماذا يفعل بحق الجحيم؟» عندما هاجمت إسرائيل هدفاً في الضاحية الجنوبية من بيروت قبل عشرة أيام. بل واتهامه بأنه «ليس لديه ذرة من التفكير السليم»، وإبلاغه بأن ترامب غير راضٍ («فوكس» 14/6)، وأنه «يحتاج لأن يكون أكثر عقلانية» في التعامل مع القضايا السياسية والأمنية، وضرورة ضبط تحركاته، وأن واشنطن قادرة على التأثير في قرارات إسرائيل، وأن الأخيرة ستلتزم بما تطلبه الولايات المتحدة.
والعلاقة عملياً بدأت في التحول من علاقة حلف إستراتيجي وتوافق تام في المواقف إلى اختلاف في المصالح والسياسات المتبعة في عدد من القضايا، خاصة في الملف الإيراني وملف «حزب الله»، على الرغم من بقاء التحالف قائماً بينهما.
في الولايات المتحدة بدأت تظهر أصوات قوية لا تقتصر على ترامب والحزب الديمقراطي المعارض، بل ومن شخصيات بارزة في الحزب الجمهوري الداعم الدائم لإسرائيل دون تحفظ، توجه انتقادات حادة لنتنياهو وتتحدث عن ضرورة صياغة العلاقة بين الجانبين بطريقة لا تجعل تقديم الدعم لإسرائيل مسألة أوتوماتيكية وتحصل في كل الظروف. وهناك إعادة للتفكير في طبيعة الدعم المقدم لإسرائيل والتوجه العام هو نحو التوقف عن تقديم مليارات الدولارات من الدعم العسكري المجاني.
وفي إسرائيل نفسها تهاجم المعارضة نتنياهو، وتتهمه بالفشل في كل الحروب التي بادر إليها، خاصة الحرب على إيران التي أنتجت اتفاقاً يكرس إيران كقوة إقليمية عظمى متحكمة بصورة كبيرة في مضيق هرمز، ولها قدرة غير بسيطة على التأثير في الاقتصاد العالمي. فلا تم إسقاط النظام الإيراني، ولا تم وضع حد لبرنامج الصواريخ البالستية، ولا لقطع أوصال العلاقة بين إيران وأذرعها الأهم في المنطقة، ولا جرى الاتفاق على تفكيك القدرات الإيرانية على تخصيب اليورانيوم. وتم الإضرار بصورة إسرائيل وبعلاقاتها مع حليفتها الولايات المتحدة وحلفائها على الساحة الأوروبية. بل إن غالبية كبيرة في الرأي العام الإسرائيلي توافق على هذا التحليل وتعتبر الاتفاق الأميركي - الإيراني انتصاراً لإيران، وترى أن نتنياهو قد أخفق.
لقد أهين نتنياهو أكثر من مرة من قبل ترامب الذي كان يكرر ليس فقط الانتقاد الحاد له، بل كذلك التأكيد على أنه غير مستقل تماماً وسيفعل ما يقوله له، وعندما يطلب منه وقف إطلاق النار يلتزم بذلك رغم التصريحات المتواترة حول حرية عمل جيش الاحتلال الإسرائيلي وفقاً لمصالح إسرائيل الأمنية. والواقع يقول: إن إسرائيل لا يمكنها الصمود في موقف يتناقض مع رغبات وإرادة الإدارة الأميركية. ولنقرأ تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الذي وجه انتقادات قوية لبعض المسؤولين الإسرائيليين الرافضين للاتفاق مع إيران، وذكّر إسرائيل بالدعم العسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة لها، وهي نوع من الإنذار الموجه للحكومة الإسرائيلية من مغبة تخريب الاتفاق مع إيران. وهكذا يصبح نتنياهو في وضع لا يحسد عليه، فرغم تكراره رفض الانسحاب من لبنان، إلا أنه يعلم أن حدود المناورة لديه أضحت ضيقة كثيراً ولم يعد لديه ذلك الهامش الكبير من الاستقلالية في التعامل مع ملفات تعني الولايات المتحدة على غرار ملف إيران، وخسارته ستكون أكبر في الانتخابات القادمة ما لم تتوفر لديه فرصة لتحقيق إنجاز ما قبل الانتخابات، أو قيامه بمناورة قد تؤثر على سلامة الانتخابات أو ربما تأجيلها إن أمكنه ذلك.