نشرت في 24 فبراير 2026 10:22 ص
https://khbrpress.ps/post/427011
وصلنا، في مقالة سبقت، إلى أن الموقف من إسرائيل كان شرط الانخراط في نخبة العالم الجديدة. وإذا شئنا الدقة امتلاك وهم الانخراط في النخبة المعنية، وما يتصل بالأمر من رموز وممارسات. والواقع أن الظروف كانت مواتية تماماً لنقلة راديكالية تماماً من هذا النوع. فالبلدان المعنية قليلة السكان، لم تنشأ دولتها في الغالب نتيجة تحوّلات اجتماعية - اقتصادية، وميول دولانية استقلالية جسّدتها حركات وطنية نشأت في سياق الاحتكاك بالغرب، والكفاح ضد الكولونيالية، كما هو شأن الحواضر العربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ورغم أن صفة الدولة الريعية (التي شخّصها حازم الببلاوي في زمن مضى) لا تقتصر على البلدان المعنية، إلا أن الاقتصاد الريعي معطوفاً على الخصوصيات السوسيولوجية الفريدة للمجتمع القبلي، علاوة على ظروف نشأة الدولة الحديثة، يُوفّر معطيات كافية لتفسير مدى تناغم وانسجام الظروف المواتية، لامتلاك وهم الانخراط في نخبة العالم الجديدة، مع خصائص بنيوية لنخبة الحكم والبزنس والمال والأعمال المهيمنة والسائدة هناك.
على أي حال، لن تكون هذه الأشياء مفهومة، بالقدر الكافي، دون الكلام عن نخبة العالم الجديدة بعد نهاية الحرب الباردة. يعرف القاصي والداني أن هذه النخبة معولمة، أي عابرة للقوميات والحدود. ومع ذلك، فإن أهم خصائصها لا تحظى باهتمام وفهم مماثلين.
المقصود أنها نخبة لا تنتج أشياء مادية، فسوقها الفعلية، واستثماراتها العملاقة، في تكنولوجيا المعلومات، والتقنيات الحديثة (خاصة تكنولوجيا التحكّم والسيطرة والقتل) والفضاء الافتراضي، والعملات الرقمية، والترفيه، والخدمات. أما ما تُنتج من أشياء مادية فيتركز في السلاح وما يتصل به من تدريب وتقنيات ومواد. ولم يبقَ من مجالاتها المربحة سوى الاستثمار في الأرض والعقارات، بما فيها الهدم والبناء، كما يحدث في غزة، التي تبدو كالطريدة الجريحة الآن.
ومع هذا كله في البال، يمكن فهم الأميركي جيفري إبستين، والكلام عنه، بطريقة أفضل. فهو يمثل نافذة نطل منها على نخبة العالم الجديدة المعولمة. لا نحتاج للغرق في الأرقام والتفاصيل، كل ما في الأمر أن ثلاثة آلاف ملياردير في العالم تزيد ثرواتهم على 18 تريليون دولار، وأن 12 من هؤلاء تزيد ثرواتهم عمّا لدى النصف الأفقر من سكان كوكب الأرض.
المهم أن نخبة العالم الجديدة المعولمة تعيش بطريقة أسطورية، تماماً، لا تطالها قوانين، ولا تحكمها قيم، وهي أقوى من سلطة الدولة في حالات كثيرة (بما فيها دولة دونالد ترامب). لا أحد يعرف مصادر ثروة إبستين، بطبيعة الحال. ولكن من الواضح أن مهاراته ومؤهلاته وثيقة الصلة بإدارة الأموال والاستثمارات والشبكات والعلاقات: كيفية التهرّب من الضرائب، سرعة وسهولة غسل ونقل الأموال، بيع ومقايضة المعلومات الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والتقنية، وبيع ومقايضة العلاقات والشبكات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. يعني يؤدي المذكور دور: السمسار، والمخلّص، والمُثمّن، وكاتب العدل، وصبي المراسلة، وخدمة الغرف، والقوّاد.
تُفسّر مهارات ومؤهلات إدارة الأموال والاستثمارات والشبكات تعددية علاقات إبستين، وعبورها للقوميات والحدود السياسية، في مختلف قارّات العالم. ومع ذلك، لن يراكم أحد مهارات ومؤهلات كهذه نتيجة المثابرة، وحسن الحظ، بل نتيجة الاعتماد على، وخدمة، دولة ذات أذرع استخبارية قوية، وشبكات متعدد الأغراض في العالم.
لا تُفسّر هذه المعادلة علاقة إبستين بالإسرائيليين وحسب، بل وتفتح أفقاً لتفسير علاقته بالروس، والأميركيين، أيضاً. وربما مع نصف دستة أُخرى من الدول وأجهزة الاستخبارات في مناطق مختلفة من العالم. ومع ذلك، تنفتح المعادلة نفسها على النظر إلى إبستين كظاهرة لم تنجم عن الطموحات والمهارات الفردية لشخص بعينه، بل نجمت عن حاجات دول، ونخب تمثلها، وتتبادل معها المنافع والخدمات، لوجود وسطاء من هذا النوع، مع كل عاهاته النفسية، وانحرافاته السلوكية.
والواقع أن انفتاح المعادلة بهذه الطريقة، يستدعي الكلام عن خصوصية رافقت نشوء نخبة العالم الجديدة بعد نهاية الحرب الباردة. لن تكون هذه النخبة مفهومة، بالقدر الكافي، أيضاً، دون الكلام عمّا نجم عن تفكيك الإمبراطورية السوفياتية في مطلع عقد التسعينيات من نهب غير مسبوق لأصولها، وثروتها.
كانت عملية تفكيك الدولة السوفياتية ونهبها من أكبر عمليات السطو، بمقاييس تاريخية، في القرن العشرين. شارك في عملية التفكيك والنهب أشخاص من روسيا والجمهوريات السوفياتية السابقة، ومن الولايات المتحدة، وأوروبا الغربية، أيضاً. لم يتمكن هؤلاء من الانخراط في نخبة العالم الجديدة وحسب، بل شاركوا في تأسيسها، وأضفوا عليها بعض صفاتهم، أيضاً.
على أي حال، أهم ما يسم نخبة العالم الجديدة أنها غير مُنتجة، ومخلّعة الأوصال بالمعنى الاجتماعي والسياسي. ولعل في هذا ما يمنح قوى طرفية إحساساً وهمياً بالمشاركة في «حكم» العالم، بالمعنى السياسي، والتشابه في الإدارة وأسلوب الحياة، بالمعنى الشخصي والمهني. ومع ذلك، في تسديد ضريبة العلاقة بإسرائيل كشرط للالتحاق بالنخبة ما يُعيد التذكير بوجود مركز من صلاحياته تحديد شروط ورسوم «العضوية» أيضاً. لم يكن دفع الرسوم محفوفاً بالمخاطر (بعد احتلال العراق 2003) ولا كانت دوافعه حسابات «الأمن القومي» كما جاء في البيانات. فاصل ونواصل