الكاتب: عاطف أبو سيف

هزيمة ميلوني وجيل غزة

نشرت في 29 مارس 2026 10:55 ص

الكاتب: عاطف أبو سيف

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/428412


 

المؤكد أن أحد أهم الأسباب وراء فشل الاستفتاء الذي طرحته الحكومة الإيطالية بقيادة جورجا ميلوني هو حرب غزة ومواقف الأخيرة وحكومتها الداعمة لإسرائيل في حرب الإبادة. 
الإقبال الكبير الذي شهدته صناديق الاقتراع و»لا» الكبيرة التي منيت بها ميلوني جاءت من جيل الشباب الذين خرجوا طوال عامين متتاليين في مسيرات شبه يومية ضد مواقف الحكومة من حرب الإبادة. 
جيل غزة هذا كما بات يطلق عليه في النقاشات الإيطالية الداخلية وجه صفعة مريرة لميلوني التي لم تتلقَ أي خسارة في أي انتخابات سواء محلية أو على مستوى المحافظات منذ توليها رئاسة الحكومة في العام 2022. 
وميلوني التي تدرك أن أول خسارة تقود للخسارة النهائية كان عليها أن تدفع ثمن إهمالها المتعمد وغير المبرر لمواقف الجيل الجديد الذي رأى وتفاعل مع ما كان يراه من مشاهد قتل وذبح وتدمير وتهجير. 
كانت ميلوني تريد أن تجري تعديلات على منظومة القضاء تحت حجج كثيرة، منها الفصل بين هيئات القضاء من الادعاء العام والقضاة وبالتالي ضمان نزاهة أكثر من محاربة القضايا الكبرى وغير ذلك، إلا أنها فشلت في تمرير ما أرادت في استفتاء اعتبر ليس على مواد الدستور بل على سياساتها؛ بل على شخصيتها ومواقفها الخارجية وعلاقتها مع نتنياهو وترامب. 
إيطاليا تكاد تكون أكثر دولة في أوروبا تؤثر السياسات الخارجية لحكومتها على مواقف مواطنيها في صناديق الاقتراع. 
هذه المرة شهدت صناديق الاقتراع إقبالاً غير مسبوق في التاريخ الإيطالي المعاصر إذ بلغت نسبة المصوتين 60 بالمائة. 
وصوت أغلب من شاركوا في الانتخابات لأول مرة بـ»لا» إذ إن ثمانية من كل عشرة مصوتين ممن تقل أعمارهم عن 22 سنة صوتوا ضد الاستفتاء وصوت سبعة من بين كل عشرة مصوتين ممن تقل أعمارهم عن الثلاثين بـ»لا».  
هذا الجيل هو الذي شاهد كل شيء وتابع كل شيء وخرج بعفوية وغضب للشوارع وهو يشاهد دمار غزة ويشاهد احتجاز الجيش الإسرائيلي للمتضامنين على أسطول الصمود.  
كتبت كونيشيتا دي جريغوريو في صحيفة «ربوبليكا» أن جيل غزة هو من هزم ميلوني وأن هذا الجيل الذي عمدت ميلوني إلى تجاهله، صوت ضد استفتائها، أي ضدها. 
خلال محاضرة لي في قسم العلوم السياسية في جامعة روما رحبت بصديقي عضو البرلمان أرتورو سكوتو، والذي كان حاضراً في القاعة، وقلت إنه كان مشاركاً في أسطول الصمود الذي ذهب لغزة فانفجرت القاعة بالتصفيق الحار والتحية. 
كان هؤلاء جيل غزة، جيل أسطول الصمود. كان أرتور يجلس في الخلف حين التفت الجميع له مصفقاً. 
هذا هو جيل غزة الذي كان يجد صور المذابح والأطفال المقطعة أعضاؤهم والبيوت المهدومة فوق رؤوس ساكنيها أول شيء حين يطالع السوشيال ميديا. 
الجيل الذي شكل أكبر مظاهرة في تاريخ إيطاليا يوم احتجزت إسرائيل سفن أسطول الصمود في عرض البحر قبالة غزة والذي كان فيها أرتورو. 
خرج وقتها مئات الآلاف في الشوارع كل يوم في كل المدن منددين بمواقف الحكومة المتقاعسة والداعمة للإبادة، لكن ميلوني لم تلتفت لهم، جاء الوقت حتى يعاقبوها.
ومع ذلك علينا أن ننتبه أن تغيير الدستور شيء مقدس بالنسبة للطليان، فأي محاولة مساس بالدستور أو تغيير في مواده تقابل عادة بالتشكك من قبل الشعب. 
قبل ذلك فشل رئيس الوزراء ريتزي عام 2016 واستقال عقب رفض المصوتين لتعديلات تتعلق بتقليص صلاحيات مجلس الشيوخ بشكل كبير والحد من صلاحيات المناطق وإلغاء الأقاليم ونزع صلاحية الحق في حل مجلس الشيوخ من رئيس الدولة. 
ورغم محاولة ميلوني أن تظهر متماسكة غير آبهة بنتيجة الاستفتاء، فهي تدرك أن لكل شيء تداعيات جانبية وأن ما يجري سيترك أثراً على قوة ائتلافها في التقدم في برامجه. 
مثلاً من المشكوك فيه إذا ما كانت ميلوني ستمضي قدماً في تقديم استفتاء آخر حول قانون الانتخابات لأنها تدرك أن ضربة أخرى ستعني الإطاحة بها بشكل كامل. 
كما أن التصدعات بدأت في الظهور في الجسم الائتلافي اليميني خاصة استقالة وزيرة السياحة دانييلا سانتتشي من حكومة ميلوني وبعد ذلك استقالة ماوريتسيو غاسباري رئيس كتلة «فورتسا إيطاليا»، حزب ميلوني، في مجلس الشيوخ.
فيما تم الإعلان عن استقالات أخرى في أروقة الجهاز الحكومي من مسؤولين كبار ممثلين لأحزاب الائتلاف. 
ورغم أن بعض الاستقالات لها دوافع حزبية داخلية إلا أنها تعكس كيف سرّعت الهزيمة في الاستفتاء في حدوثها. 
ومع ذلك يجب الالتفات أنه بقدر كون ما جرى خطوة مهمة تجاه إعادة ترتيب الأوراق في السياسية الإيطالية الداخلية إلا انه سيشكل تحدياً كبيراً لأحزاب المعارضة الكبيرة، حيث إن هذه الهزيمة لا تعني سقوط ميلوني. 
بداية لنلاحظ أن بعض من صوتوا «لا» من جيل الشباب دون سن الثلاثين يقطنون في مراكز قوة بعض أحزاب المعارضة وبالتالي فإن تصويتهم أيضاً يأتي ضمن رفضهم لمواقف أحزابهم من حرب الإبادة في غزة، وهو ما يجب أن تستثمره المعارضة من أجل إعادة استقطاب تلك الأصوات الشابة حتى تقوم بالتصويت لصالح أحزابها في الانتخابات البرلمانية العام القادم. 
لقد نعمت ميلوني وأحزاب ائتلافها بفترة دفء اكتسحت خلالها الكثير من مواقع اليسار ويسار الوسط في الانتخابات المحلية والإقليمية، حتى أن بعض المدن التي كانت محسوبة على الشيوعيين سقطت تحت سلطتهم. 
وعليه فإن المسؤولية كبيرة على أحزاب اليسار والوسط من أجل مواصلة استثمار لحظة غزة خاصة أن بعض قيادات تلك الأحزاب وبرلمانييها تصدروا الترويج لخطاب إدانة الإبادة، وبعضهم شارك في أسطول الصمود وتعرض للاعتقال من قبل الجيش الإسرائيلي. 
تتذكرون كيف نعتت ميلوني هؤلاء البرلمانيين باللامسؤولية، وتتذكرون النقاشات التي عمت إيطاليا حول مواقف الحكومة الإيطالية في ظل احتجاز المشاركين الطليان في عرض البحر. 
عموماً هناك الكثير الذي يجب فعله من أجل استثمار لحظة غزة تلك ومن أجل أن تعود ميلوني للجلوس على مقاعد المعارضة وتشاهد بأم عينيها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو الاعتراف الذي ما زالت متمسكة برفضه رغم أنه سيحظى بدعم شعبي كبير، ورغم أن أوروبا تقريباً بكل دولها باتت تعترف بدولة فلسطين، والشكر موصول في ذلك لأرواح ضحايا غزة وللفعل السياسي والدبلوماسي الفلسطيني الرسمي المتواصل.