الكاتب: رجب أبو سرية

هل تحارب أميركا إيران أم العالم ؟

نشرت في 17 أبريل 2026 10:58 ص

الكاتب: رجب أبو سرية

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/429191


 

لو كان دونالد ترامب الذي يتحدث عبر منصته على «تروث سوشيال» هو نفسه الذي عرفناه قبل أقل قليلاً من عام ونصف، لكان أطلق العنان لمواصلة الحرب بدرجة أعنف وأشد مما كانت عليه، قبل اللقاء الأميركي - الإيراني في إسلام أباد الذي جرى يوم السبت الماضي، وانتهى بعد واحد وعشرين ساعة من الحوار المتواصل، دون اتفاق، بل دون إعلان بيان، يؤكد مواصلة التفاوض مثلاً، أو حتى تمديد وقف النار، بل انتهى بإعلان مغادرة نائب الرئيس الأميركي بعد أن ترك عرضاً اعتبره نهائياً وأخيراً للجانب الإيراني، بما أكد أن إيران لم تستجب للمطالب الأميركية، وأنها ما زالت تواصل «المقاومة» السياسية، كما تواصل المقاومة العسكرية.
انسجاماً مع الشروط والتهديدات والمهل التي يعلنها ترامب، ومنها وقف إطلاق النار المؤقت لمدة أربعة عشر يوماً، تأتي عادة مشروطة، أي بصيغة، «إما ولا» وهذا ترجمته إما أن تعلن قبولها الاستسلام، من خلال الموافقة الصريحة على ما تقدمه لها واشنطن من عروض، وإلا تواجه الشق الثاني من التهديد، وآخرها كان التهديد باستهداف مراكز الطاقة والجسور، وحتى احتلال جرز إيرانية منها خرج وقشم، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، بل إن فانس نفسه، الذي تصدى لمهمة الرجل الطيب، إلى جانب ترامب الرجل الشرير، غادر إسلام أباد، وقال إنه ترك العرض الأخير، بما يعني أن أمام إيران ما تبقى من المهلة المؤقتة لوقف إطلاق النار، لتوافق على العرض حتى دون عودة التفاوض، فأميركا ما زالت تعتبر مجرد موافقتها على اللقاء تنازلاً، ووقف إطلاق النار المؤقت تنازلاً، لأنها تظن أن إيران بحاجة فقط لحفظ ماء الوجه، لتوافق على الاستسلام، لذلك الموفد الأميركي لا يذهب للتفاوض، بل لتقديم المطالب، وفق صيغة «قبول الكل، أو رفض الكل»، وفانس قال إنه ترك لإيران العرض الأخير، وإلا فإن الأمور ستسوء كثيراً، وهذا تهديد وإن كان أقل حدة من تهديدات محو الحضارة.
كانت ردة فعل ترامب غريبة للغاية، فهو قال بالحرف إنه لا يبالي إن كانت المفاوضات ستستأنف أم لا، وتابع قائلاً، إنهم إن لم يعودوا فهو على ما يرام، ورافقته تصريحات أكثر من مسؤول أميركي بمن فيهم الأكثر منه تشدداً، نقصد وزير الحرب، بيت هيغسيث، تقول إن أميركا قد حققت ما أرادت من العمل العسكري، مع أن الحديث عشية الحرب، كان شيئاً آخر، وكان يشمل إسقاط النظام، وتسليم اليورانيوم المخصب، ومنع احتمال امتلاك إيران للسلاح النووي إلى الأبد، وسحق ترسانتها العسكرية، وكانت السيناريوهات تتراوح بين إسقاط النظام بإطلاق التظاهرات بعد الضربة الأولى التي شملت استهداف المرشد، والسيطرة على اليورانيوم والنفط الإيراني، وذلك لأن ترامب اعتقد أن إيران ستكون فنزويلا رقم 2، حتى أنه بدأ يعلن عن الهدف التالي، وهو كوبا، للسيطرة على أكبر قدر ممكن من الثروات العالمية، كل ذلك حتى تقوى أميركا على منافسة الصين اقتصادياً، وحتى تبقي على نظامها العالمي. 
بل حتى إن المتنمر العالمي، الرئيس الأميركي، لم يعلن بعد عودة نائبه فانس «بخفي حنين»، عن التنصل من اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، وأكثر من ذلك ضغط على إسرائيل لوقف الحرب على لبنان، والتمهيد لإطلاق التفاوض بين سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، من أجل هذه الغاية، أي أن ترامب لم يعد يتحدث عن مواصلة الحرب، ووجد في الإعلان المؤقت عبر الوساطة الباكستانية، فرصته للخروج من ورطة الحرب، بماء الوجه الذي كان يبحث عنه أصلاً، لذلك فإن زمام المبادرة بات بيد إيران، فيما يخص هذا المسار، أي الموافقة على إجراء جولة تفاوضية أخرى قبل انتهاء مهلة الأسبوعين التي لم يعد يتحدث عنها أحد، ما يعني أنها صارت في خبر كان، وما يؤكد هذا هو لجوء ترامب إلى طريق آخر في المواجهة، هو طريق الحصار، بدلاً من مواصلة الحرب العسكرية، التي اقتصرت رغم استمرارها أربعين يوماً على القصف الجوي، ولم تنتقل للمرحلة البرية التي عادة ما تحسم الحروب بين الدول. 
ولأنه في عرف السياسة من المعروف أنه خاصة في أوقات الحروب، عادة المتحاربون لا يهددون، بل ينفذون، وحين يستخدم التهديد، فهو يعني تحقيق هدف الضغط السياسي، وهذا ما فعله الأميركيون والإسرائيليون على نحو خاص، فهم في حروبهم يستندون إلى الخدع العسكرية، والى الاعتماد على الاستخبارات والأقمار الصناعية، والقوة الجوية، لأنهم دائماً معتدون، وترامب لم يحذر نيكولاس مادورو، بأنه سيقوم باختطافه، ولم يحذر إيران مرتين حين كان يفاوضها، لا في حزيران، ولا في آخر يوم من شباط الماضي، ولم يكن قرار الحرب مفاجئاً أو ابن لحظته، فقد كان معداً له جيداً، وجاء خلال التفاوض، بهدف «تعمية الخصم» ومباغتته، إذاً فإن كل ما كان يطلقه ترامب من تحذيرات كان للضغط السياسي، لأن الحرب ببساطة ليست لعبة مسرحية، يشرح فيها المخرج، تتابع المشاهد، وصولاً للنهاية. 
على أي حال، وجد ترامب ضالته للخروج من المواجهة العسكرية، من خلال ما أعلنه من حصار يستهدف الموانئ الإيرانية، وهذا أمر مختلف بالطبع تماماً عن فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية، لأن فرض البحرية الأميركية الحصار على الموانئ الإيرانية، يضغط عليها اقتصادياً، ولا يمنحها المبرر باستهداف تلك القطع العسكرية بالنار، هذا على اعتبار أن الحصار عمل غير عسكري، وهذا قد يحقق لأميركا تعويضاً عن وجودها الذي تضرر عبر قواعدها العسكرية في المنطقة، بل والذي وقف حتى قبل أن يتضرر عاجزاً عن كسر القبضة الإيرانية على الشريان المائي المتمثل بمضيق هرمز. 
لكن ذلك لا يعني أن أميركا وجدت الحل، أو أنها حققت الهدف، بل إن ذلك يعني أن الصراع ما زال متواصلاً، وإن كانت حدته العسكرية قد بردت، فبالنسبة لإيران، كانت موانئها تصدر نفطها، وهو أهم مادة لديها للتصدير، إلى الصين على نحو خاص، بما يعني أن الحصار الأميركي يستهدف الصين، كذلك فإن إيران لن تعجز عن التوصل إلى البديل، الذي قد يكون بحرياً، من خلال ساحلها المطل على خليج عمان وبحر العرب، والذي يبلغ 770 كم، وفي عالم اليوم، يمكن الالتفاف على الحصار من خلال رفع أعلام دول أخرى، كذلك هناك الحدود البرية، التي تشترك فيها مع سبع دول، حيث يمكن عبرها نقل النفط بالناقلات، ومنها حدودها الشرقية مع باكستان وأفغانستان فقط التي تزيد عبى ألفي كم. 
كما أن الحصار الأميركي سلاح ذو حدين، فهو يضاعف الضغط على سعر برميل النفط، والأخطر هناك باب المندب، وحتى هذه اللحظة ما زالت ورقة الحوثي التي تعتبر ذخراً استراتيجياً في المواجهة، لم تستخدم بعد، لا عسكرياً ولا لوجستياً، كذلك ما دام الأمر يؤثر سلباً على الصين، فإن الصين تعرف كيف تجهض هدف الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، ذلك أن الحصار يبقي على حالة التوتر العسكري قائمة أيضاً، لهذا فإن الأوروبيين وهم من أكثر الأطراف الدولية التي تأثرت سلباً بالحرب، ولذلك افترقت عن ترامب، طوال الوقت، لذلك هم يعدون وحدهم خطة لتأمين الملاحة الدولية في المنطقة، وقد يكون من ضمن ذلك، تنظيف المضيق من الألغام، وهذا يتطلب التنسيق مع إيران، من مدخل أنهم لا يشاركون ترامب معركته في الحصار.
والحصار أصلاً لا يحسم صراعاً، فكم من دولة حاصرتها أميركا، من كوبا، إلى العراق، إلى إيران نفسها التي تفرض عليها عقوبات اقتصادية منذ عقود، إلى روسيا، التي تواجه عقوبات أميركية وأوروبية تشمل تجميد أرصدة مالية ضخمة، لكن يبقى أن ترامب قد انتقل بالحرب التي أطلقها قبل شهرين، من كونها كانت حرباً على إيران، إلى حرب على العالم، بمكوناته الرئيسة، ونقصد الصين، ومن ثم أوروبا، وبما في ذلك اليابان وكوريا، بعد أن انتقلت الحرب من الأجواء الإيرانية إلى بحر العرب والى الخليج، حيث مضيق هرمز، شريان التجارة العالمية، وكما أن إيران لم تغلق المضيق في وجه النفط الذاهب إلى الصين، فإن الحصار الأميركي على موانئها سيستهدف هذا النفط بالتحديد، بالمقابل، فإن إيران خلال حرب الأربعين يوماً، أعلنت خطة واضحة لإدارة المضيق، عبر دول الخليج، بالتحديد هي وعمان، على جانبي المضيق وضمن الحقوق الدولية للملاحة، التي يفترض فيها ألا تعرقل حركة السفن التجارية المدنية، مقابل رسوم حين تكون المضائق ضمن حدودها مثل قناة السويس وقناة بنما، لكن أميركا هنا بحجة فرض الحصار على إيران، تريد أن تسطو هي على المضيق وتحتله وتسيطر عليه، فتتحكم بما يذهب إلى الصين وأوروبا من طاقة، كمدخل لفرض نظامها العالمي على الكبار، كما هو الحال مع الصغار.