إعدام قرار على مقصلة الأمم المتحدة

توفيق ابو شومر
حجم الخط

ذات يومٍ منذ أربعين عاما أقرَّتْ الجمعيةُ العامة للأمم المتحدة القرار رقم 3379 في يوم 10/11/1975

نعم، قبل أربعين سنة، جرى إصدار هذا القرار!

قارن هذا القرارُ بين ممارسات إسرائيل، وممارسات سلطات التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، فوجدوا تماثلا بين النظامين!

كان ذلك القرارُ بالتأكيد قبلَ أن تَبنيَ إسرائيلُ منظوماتِ الفصل، كحاجز الفصل العنصري، وقبل اغتصاب القدس، وتأسيس منظومات الاستيطان الكبرى، على أراضي الفلسطينيين، وقبل السور الفاصل بين مصر وإسرائيل، وبين الأردن وإسرائيل، وبين قطاع غزة وإسرائيل، وقبل إعلان إسرائيل إمبراطورة الحواجز والأسوار في العالم كله!!

أنشدَ الفلسطينيون يومها أناشيد الحرية، ورددوا أشعار الوطن، وما أزال أذكر أنني كتبتُ مديحا (عاليَ الظلِّ) للقرار، في صوت فلسطين من الإذاعة الجزائرية،  واستمتعتُ حين سمعتُه يُردد فيها، وأحسستُ بالنشوة والانتصار، ولم أتوقع يوما أن يجري إلغاء هذا القرار!

يومها لم أكن أعلم بأنني، وأنا العربيُ، كنتُ أتغنى بأنشودةٍ، ستصبحُ يوما ضمن (خوابي) النسيان العربية والفلسطينية!

ولم أرصد ما فعله مندوبُ إسرائيل في الأمم المتحدة، حايم هرتسوغ، عندما مّزَّق القرارَ، ورماه في وجه الأمم المتحدة، وأقسم أن يطارده حتى يُلغيه من الوجود!

ولم أكن أعلم أيضا أن حايم هرتسوغ نفسه، وهو والد رئيس أكبر أحزاب اليسار في إسرائيل اليوم(المعسكر الصهيوني)، يتسحاق، ستكافئه إسرائيل بأن يصبح رئيسا لدولتها من عام 1983-1993 !

لم أحصل على ترجمة الخطاب الذي ألقاه في وجه الأمم المتحدة إلا بعد أن أُلغيَ القرارُ، عام 1991 أي بعد ستة عشر سنة من إصداره!!

قال يومها: " كيف تعتبروننا عنصريين، انظروا فنحن والعرب أعضاءُ في الكنيست، نمارس حقوقنا بالمساواة التامة، فمن العرب جنودٌ في الشرطة، وفي حرس الحدود، ومنهم من هو قائد للجنود اليهود، آلاف من العرب يأتون كل عام للعلاج في مستشفيات إسرائيل، كما أن اللغة العربية لغة ثانية رسمية إلى جانب العبرية، فهل هذه عنصرية؟!!"

هذا القرار حظيَ بدعم من (73) دولة، وصوت ضد القرار 35، وامتنع عن التصويت 32 دولة.

تمكنتْ إسرائيلُ بالتعاون مع (لوبياتها) ومع المايسترو الرئيس( أمريكا)، من إعدام القرار على مقصلة الأمم المتحدة، بعد أن وصل القرارُ إلى خوابي النسيان العربية والفلسطينية!

لم أكن أعلمُ، سنةَ إلغاء القرار، سببَ الإلغاء إلا بعد مرور سنةٍ على الإلغاء، فقد تمكنَ وزيرُ خارجية أمريكا ،لورنس إيغلبرغ، من استصدار قرار جديد يقضي، بإلغاء قرار رقم 3379 على أن يحلَّ بدلا منه قرارٌ جديد رقم 8646 بتاريخ 16/12/1991

( قبل اتفاقية أوسلو، اشترطت إسرائيل ثمنا لموافقتها على التفاوض مع الفلسطينيين، وكان الثمن هو(رأس) القرار 3379 ، وحصلتْ بالفعل على ما تُريد)

وصوتتْ على الإلغاء مائة وأحدى عشرة دولة بالتمام والكمال، وكان النصُ  التالي:

" قررتْ الجمعيةُ العامة للأمم المتحدة(نفسُها) إلغاء القرار الصادر عنها، رقم 3379"!!

في الحقيقة كتبتُ ما سبق تعليقا على أقوال شخصية سياسية بارزة، سمعته يُنشد مُعلَّقة من شعر المدح، في قرار مجلس حقوق الإنسان، في دورته التاسعة والعشرين 3/7/2015 المكون من 47 دولة، هذا القرار الذي يشجب ممارسات إسرائيل أثناء عماية الجرف الصامد على غزة بأغلبية 41 صوتا، رفضتْهُ أمريكا فقط، وامتنعتْ الهند وكينيا وإثيوبيا، بارغواي، ومقدونيا عن التصويت!"

ولم ينتبه المسؤول الفلسطيني البارز إلى نص القرار، فالقرار يشجب فقط،، ولا يُجرِّمُ إسرائيل،  كما أنه ليس كقرار 3379 ، وهو أيضا ليس كتقرير غولدستون 2009 ، الذي تبرَّأ منه صاحبُهُ، وليس كمشروع تقرير وليم شاباس، الذي أُجبرَ  على الاستقالة، قبل أن يشرع في استلام منصبه للتحقيق في عملية الجرف الصامد 2014!!

حاول كثيرون من المخلصين، العرب والفلسطينيين، تشكيل جهاتٍ لإنقاذ القرار 3379 من الإعدام خلال ثمانينيات القرن الماضي، ولكنَّ الجهات الإسرائيلية المُتابِعة، كانت هي الأقوى ، والأكثر نفوذا وتأثيرا!

أربعون عاما مضت، ولم يستوعب كثيرٌ من مسؤولينا، وقادتنا أبجديات علم السياسة، فالشعارُ الصادقُ هو:

" النصرُ دائما معقودٌ بالنهايات، وليس البدايات"!!