العرب، ترامب، إسرائيل، الفلسطينيون (2-4)

حسن خضر.jpg
حجم الخط

حسن خضر

نستكمل اليوم الشق الثاني من القسم الأوّل، الذي تعرضّنا فيه لوجود مركز جديد للثقل في العالم العربي، وعرضنا لبعض العوامل التي خلقته، وحاجته، كأي مركز آخر، لأدوات وأيديولوجيا تمكّنه من ممارسة الدور، وألمحنا إلى النزعة الدينية المُحافظة بوصفها بطانة عضوية لأيديولوجيته بصرف النظر عن تمثيلاتها. 
ويعنينا، في هذه العجالة، القول: إن الدول، كما الأفراد، تميل إلى تكرار ما جرّبت وثبت بالتجربة نجاحه. وهذا، وما زلنا في موضوع الأيديولوجيا، وبقدر ما يتعلّق الأمر بالمركز الجديد، ما يسوّقه، ويُروجه، وما يُغوي به، ويُحرّض عليه، في معادلة مثلثة الأضلاع: سوق وسياسات الليبرالية الجديدة، ووجود بنية تحتية جاهزة، وتصفية ذكريات وذاكرة وميراث المركز القديم.
فلنفسّر أكثر: في سوق وسياسات الليبرالية الجديدة القيمة الوحيدة هي مبدأ الربح، والسمة الرئيسة هي الفصل بين السياسة والأخلاق، وبين السوق والقيم. وفي هذا ما يمثل بيئة صالحة لوجود أنظمة سياسية هجينة ومُهجّنة تحتكم إلى منطق السوق، وتعيش به وعليه، دون الاحتكام إلى قيم من نوع الديمقراطية، والتعددية السياسية، وحقوق الإنسان. في بيئة كهذه تتعايش وتتحالف أنظمة دكتاتورية، وثيوقراطية، وديمقراطيات ليبرالية، وإثنية، وشعبويات من كل جنس ولون.
ويبقى أن أهم ما يُميّز بيئة كهذه يتمثل في إلغاء الفرق بين السياسي ورجل الأعمال، وبين البزنس والسياسة. ولنلاحظ أن الظاهرة التي نعرفها ونُعرّفها، اليوم، بالليبرالية الجديدة، بدأت في مطلع الثمانينيات مع السياسات الاقتصادية لريغان وتاتشر، وأن فترة زمنية قصيرة تفصلها عن الطفرة النفطية في أواسط السبعينيات، وأن ما سيصبح بعد عقود مركزاً جديداً للثقل في العالم العربي، بدأ صعوده، في الإقليم والعالم، بقوّة دفع الظاهرة المعنية، مرفوعاً على ساعدها السياسي والأيديولوجي.
يُفسِّر ما تقدّم نشوء ظاهرة البنوك الإسلامية، التي افتتحها بنك فيصل الإسلامي عام 1977، وصعود رجل الأعمال والبزنس، بما في ذلك من عمولات، ووساطة، ورشوة، وعلاقات عامة، بوصفه فاعلاً سياسياً وأيديولوجياً، من عدنان خاشقجي، مروراً بصالح كامل، ووصولاً إلى حسين سالم. 
الآلاف من أمثال هؤلاء، من وزن الفراشة وحتى وزن الفيل، هم الذين أعادوا صياغة العالم العربي على مدار أربعة عقود مضت، وأصبحت لهم الغلبة مع نهاية الحرب الباردة. وفي هذا المعنى يتجلى المقصود بالبنية التحتية المُجرّبة والجاهزة. فما زالوا هم، وأولياء نعمتهم، في المكان والزمان مع خبرات أكثر، وشبكات أعقد، وتحالفات أوسع، وطموحات تكاد تكون فاوستية تماماً.
وبهذا نصل إلى ثالث أضلاع المثلث، أي تصفية ذكريات وذاكرة المركز القديم، التي يتجلى كل ما فيها كنقطة صدام قائمة، ومُحتملة، بين انفصال السياسة عن الأخلاق، والفصل بين السوق والقيم، ناهيك عن، وبالتضافر مع، حمولتها القومية، ونزعتها الجمهورية الراديكالية، وما فيها من ميراث عصري التنوير الأوروبي والعربي. 
وهذه كلها تعرّضت للطمس والتهشيم، ولكن ثمة مشكلة لا تحتمل التأجيل، لا لقيمتها القومية، أو لمركزيتها في هوية وماهية وذاكرة وذكريات المركز القديم وحسب، ولكن لأنها تمثل حجر العثرة الأهم في بيئة سوق وسياسات الليبرالية الجديدة، في الشرق الأوسط، أيضاً. وهي البيئة المفتوحة على احتمال التعايش والتحالف، كما ورد الكلام عنها في تشخيص أوّل أضلاع المثلث الذهبي، من ناحية، ولأن في عدم تذليلها ما يؤجل أو يعرقل رهاناً وجودياً في صميم فكرة التعايش والتحالف من ناحية ثانية. والأدهى من هذا وذاك أنها تتمفصل من وقت إلى آخر مع كل ما تعرّض للطمس والتهشيم. المقصود المسألة الفلسطينية، طبعاً. 
والمفارقة، في هذا الشأن، وما زلنا في موضوع الأيديولوجيا، أن مركز الثقل الجديد ينطوي على وعد، ويتجلى مباشرة ومداورة في ما يمكن تشخيصه كصفقة قرن، أيضاً. وهي أقدم، وأعقد، وأبعد، من صفقة ترامب، وإن كانت قد أصبحت رهينة لها، ومشروطة بها. ومفاد صفقة القرن الأقدم والأبعد والأعقد: 
أنظمة المركز القديم، ورغم هالتها البطولية، لم تحقق لشعوبها ما سبق وأوهمتها بتحقيقه، كبّدتها الهزائم في حروب خارجية، وتحوّلت في آخر أطوارها إلى مافيات ودكتاتوريات عسكرية وأمنية مُستبدة صادرت الكرامات، والحريّات. جففت الضرع، وأحرقت الزرع، نهبت وأفقرت بلاداً كانت غنية، وقادتها إلى حروب أهلية تسخن حيناً، وتبرد في حين آخر، وحرمتها من التنمية، والرخاء، والاستقرار. والأدهى من هذا وذاك أنها فرضت أيديولوجيات مستوردة على مجتمعات إسلامية تقليدية ومُحافظة. 
أما نحن فقد منّت علينا العناية الإلهية بثروة صعدت من باطن الأرض، وأنشأنا أنظمة سياسية عضوية وثيقة الصلة بهوية وماهية المجتمع التقليدية المُحافظة، وانتقلنا بها ومعها، بقدر محسوب على مسطرة الأصالة والمعاصرة، من القرون الوسطى إلى القرن الواحد والعشرين. ولم تغونا دعوات ودعاوى الحداثة والتحديث، بما فيها من كلام عن الديمقراطية والمواطنة والتعددية، إلى حد يؤدي إلى التقدّم خطوة واحدة أبعد مما تريد الغالبية العظمى من الناس. لذا، ثمة ما يستدعي صياغة جديدة لمفاهيم من نوع القومية، والعروبة، وما يُحرّض على إعادة الاعتبار إلى مفاهيم كالشراكة، والتعاون، والمصلحة في العلاقات العربية ـ العربية، والإقليمية، والدولية.
هذه خطوط عامة في المسوّغات الأيديولوجية لصفقة مركز الثقل الجديد، التي سبقت صفقة ترامب، وأصبحت رهينة لها، ومشروطة بها. ولكن لماذا؟ ما هي الدوافع؟ وكيف أصبحت مشروطة؟ وما موقع المسألة الفلسطينية من الإعراب؟ هذا ما سيحظى بمعالجة لاحقة. فلم نستكمل القسم الأوّل بعد. ويبدو أن الفكرة التي حددناها بأربعة أقسام تتسع للمزيد، فموضوع العرب، يا أخا العرب، طويل والليل بهيم.