الهوية الوطنية وبعض إشكالياتها الفلسطينية الخاصة

عبد المجيد سويلم.jpg
حجم الخط

بقلم: عبد المجيد سويلم

عطفاً على المقال السابق [في جدلية الوطن والوطنية والمواطنة]، واستطراداً لما يجب أو يمكن أن يستتبعه، وما يثيره من آراء وأفكار، وحتى تصورات تبرز الهوية الفلسطينية كواحدة من أعقد مسائل، وأهم قضايا تبادل التأثر والتأثير المتبادل، ما بين الهوية الوطنية وهذه الجدلية (الثلاثية)
تتكون الهوية تاريخاً كما نعرف وتتبلور في سياق تاريخي من الإحساس والوعي بالإرث الثقافي والنفسي، وبتحديات الحاضر المعيشي وبمصيرية الوجود أيضاً، كمعطى متغيّر وليس كمعطى نهائي. ولا يختلف «التشكل» الهوياتي للشعب الفلسطيني عن باقي شعوب الأرض والمنطقة، لكنه يتميز بكل تأكيد (هذا التشكل) بخصائص تكاد تكون فريدة بكل المقاييس المشخصة في حقل العلوم الاجتماعية والدراسات السياسية.
ليست مهمة هذا المقال استعراض السياق التاريخي للهوية الفلسطينية، فقد جرى مثل هذا الاستعراض، بل والمعالجة التحليلية ـ بقدر ما يتعلق الأمر بالهوية المعاصرة والحديثة في كتابات مختلفة لعدة باحثين وعلماء فلسطينيين عبر عشرات الأبحاث الجادة على مدى عدة عقود، مثل بروفيسور نديم روحانا، والدكتور عصام نصار، والدكتور صالح عبد الجواد، والدكتور سليم تماري، ود. موسى البديري ود. شريف كناعنة وغيرهم.
تجمع كافة الدراسات على أن الوعي الجمعي الفلسطيني بالهوية الوطنية قد برز منذ بدايات القرن العشرين، وتطور هذا الوعي بصورة تصاعدية حتى صدور وعد بلفور واتفاقيات سايكس ـ بيكو، حيث بدأ هذا الوعي باكتساب السمات الوطنية التي تعكس الإحساس بالتهديد والخطر الوجودي في مراحل جنينية مبكرة.
قبل ذلك كان الوعي الجمعي الفلسطيني جزءاً مشابهاً أو مماثلاً للوعي العربي الذي تشكل في سياق الانعتاق من السيطرة العثمانية، وفي سياق البحث عن استقلال «العرب» من الأتراك، وطموحهم بإقامة «دولتهم» الموحدة، ولكنه لم يكن مطابقاً مع ذلك بالكامل.
نستطيع أن نسجل هنا هذا التماثل بالدعوة إلى الاستقلال في الاطار العربي، والسوري أحياناً والمشرقي عموماً لكن الوعي الوطني الفلسطيني (انفصل) عن هذا السياق نسبياً بعد تصاعد الهبّات الوطنية وتتوج بثورة الـ (36) التي توهج من خلالها هذا الوعي وارتقى إلى مراحل أعلى حتى النكبة.
لقد تراجع المحتوى (العربي) و(السوري) و(المشرقي) للمكون الهوياتي الفلسطيني وحلت الوطنية الفلسطينية في نسختها ما قبل انطلاق الثورة المعاصرة في منتصف الستينيات والتي جسدها القائد الشهيد عبد القادر الحسيني بالرغم من ميوله القومية السورية، وبالرغم من يأسه حتى الأيام الأخيرة من معاركه مع القوات الصهيونية من الخذلان العربي.
وكانت هذه الهوية قد تجاوزت الطابع الريفي في ضوء إعادة اندماج وانصهار الريف مع المدينة الفلسطينية، كما تجاوزت الكثير من المضامين «المحلية» والحمائلية والمناطقية، وشكلت قاعدة ارتكاز صلبة لانطلاقة الثورة المعاصرة، وبدأ انبعاث أو ربما الأصح القول إعادة انبعاث الهوية الوطنية الفلسطينية، وكانت النكبة (كلحظة تاريخية) هي التعبير عن الاندماج السياسي الذي أصبح بمثابة «البنية التحتية» لهذا الانبعاث.
هنا ندخل في إشكاليات الهوية الفلسطينية، وفرادتها. أولى سمات هذه الاشكالية وفرادتها هي ما يسمى الانقطاع التاريخي في العلوم الاجتماعية والسياسية.
«فجأة»، وجد الشعب الفلسطيني في ضوء أهوال النكبة ونتائجها وقد اقتلع من وطنه، وشرد منه، وتمت مصادرة «هويته» التي كانت في مرحلة انبعاث تاريخي، وتمت محاصرة من تبقى منه وإخضاعه للحكم العسكري المباشر، و»فرضت» الوصاية على من تبقى منه من الضفة والقطاع وجرى تجميعه في مخيمات الشتات (تحت السيطرة والتحكم) بقدر ما تعلق الأمر باللجوء إلى المحيط العربي، وإلى باقي بلدان العالم.
انقطع التطور التاريخي هنا، وتشتت الشعب الفلسطيني، ولم يتبق من ملامح خارطته السياسية والاجتماعية والاقتصادية سوى بعض «القطع» المتناثرة والمفتّتة في مشهد لم يشهد التاريخ البشري المعاصر مثيلاً له.
ثاني هذه السمات الإشكالية كان الافتقاد إلى مركز قيادي سياسي أو حتى اجتماعي جامع قادر على وضع مقومات مادية لإعادة محاولة الانبعاث، ناهيكم عن المقومات الأخرى.
وأما ثالث هذه السمات الإشكالية فكانت التحاق العامل الوطني بالواقع القومي الجديد، الذي تمثل ببداية مرحلة المد القومي الجديد تحت عناوين الناصرية والبعث والحركة القومية الحديثة.
بمعنى آخر كان انبعاث الهوية الوطنية في معمعان المد القومي تبدو وكأنها مضادة لهذا المد ومتمردة عليه، وكان من شأن ذلك في تلك الظروف أن يضع الكثير من علامات الاستفهام، إن لم نقل الشك والريبة على هذه الهوية.
في النصف الأول من الستينيات «أدركت» القيادة الناصرية صعوبة الجمع بين متطلبات الحفاظ على «مكتسبات الثورة المصرية» واستمرار تغييب، بل ومخاطر تغييب الهوية الوطنية الفلسطينية، ومن هناك بالذات بدأ المشروع العربي بتشجيع إعادة انبعاث هذه الهوية بحدود مسيطر عليها، وتأسست المنظمة في العام 1964، وجيش التحرير الفلسطيني، والصندوق القومي الفلسطيني.
بعد هزيمة حزيران أفلتت الهوية الفلسطينية من «القيود» العربية، و»تسللت» فتح وباقي الفصائل التي كانت قد انطلقت لتوها، إلى صفوف المنظمة واستحوذت عليها وتربعت على قيادتها، وبدأت مسيرة الانطلاقة الثانية، أو الانبعاث الثاني الكبير للهوية الوطنية.
منظمة التحرير الفلسطينية هي الإنجاز الأضخم للشعب الفلسطيني، إذ لم يسبق لحركة تحرر وطنية أن استطاعت إعادة لملمة شعب بأكمله في مثل ظروف الداخل وفي ظروف المحتل من الأرض وفي الشتات، وبوتقة طاقات هذا الشعب ووحدت قواه، وأعادت له، او استعادت له هويته من بين ركام سياسي واجتماعي واقتصادي، بل وحتى ثقافي امتد ما بين النكبة، ومر بكامل مرحلة التيه والضياع حتى وصل الى الانبعاث الجديد.
التحمت الهوية بالأيديولوجيا السياسية للشعب، أي بالوطنية السياسية وتحول الوطن الفلسطيني الى حلم وغاية وهدف وبرنامج طرحته المنظمة حول الدولة الديمقراطية الفلسطينية بمبادرة وقبول وطني شامل.
لم يسبق أن طرح أي مشروع استعماري في تاريخ البشرية الحديث والمعاصر وقام وتأسس على إنكار وجود شعب في أرضه، ولم يسبق أن طرح أي مشروع استعماري اقتلاع شعب من أرضه والاستيلاء على ممتلكاته ومصادرتها وطرده منها وهدم وتدمير كل ما يمكن، أو أمكن هدمه وتدميره.
ولم يسبق لأي مشروع استعماري أن استولى على رواية شعب وذاكرته وتراثه، وعلى ملابسه وطعامه وأغانيه وأشعاره.
لا يوجد مثل هذا المشروع حتى لدى أقبح تجارب التطهير العرقي والتصفية الجسدية، ولهذا فإن إعادة انبعاث الهوية الوطنية هو إعجاز الشعب الفلسطيني إضافة إلى كونه إنجازه الأهم.
لكن لم تسر الأمور على ما يرام بعد أن ظهر التناقض بين متطلبات الحلول السياسية ومقتضياتها والتزاماتها وتبعاتها وما بين تماسك هذه الهوية وقدرتها على مواجهة المشروع الصهيوني في نسخته العنصرية الجديدة وفي ظل كل الانزياح نحو التطرف والأصولية الدينية والفاشية الجديدة في إسرائيل، وخصوصاً بعد فشل مشروع حل الدولتين موضوعياً.
وهذا هو بالذات ما يحتاج إلى معالجة في قادم المقالات.