حول رحيل بينيت التّراجيدي

201958134341122636929198211223735-1565767256.jpg
حجم الخط

بقلم غسان زقطان

لن يضطر نفتالي بينيت لنقل حقائبه من مقر رئيس الوزراء في شارع بلفور في القدس إلى المنزل الذي يعيش فيه في رعنانا قرب تل أبيب، فهو لم ينتقل أصلاً، واكتفى بالإشراف على إخراج نتنياهو وعائلته من هناك إلى منزلها في قيساريا، كان خروجاً صعباً ومذلاً في الوقت نفسه، تمنّعت العائلة التي حكمت إسرائيل زمناً أطول من حكم مؤسس "الدولة" دافيد بن غوريون، وواصلت تمسكها حتى اللحظات ما بعد الأخيرة في المبنى، ما حوّل مشهد نقل الحقائب والصناديق والهدايا، الذي جرى بعد منتصف الليل، إلى فضيحة.

 

 بينيت أول مستوطن يتولى موقع رئيس وزراء إسرائيل وأكثر من تولوا المنصب هشاشة، فضل البقاء في بيته، أراد أن يبدو متقشفاً وزاهداً، ما يزيل المزيد من الأغطية عن فساد الساكن الذي سبقه ونزعة التسلط والجشع التي اتصف بها. وقاد في سبيل ذلك ائتلافاً غريباً، يكاد يكون مثيراً للسخرية، جمع طرفي القوس في المشهد السياسي الإسرائيلي وتشكل من ثمانية أحزاب تكيد لبعضها بعضاً، حتى أنه وجد قائمة عربية إسلامية برئاسة منصور عباس توافق على الدخول في الائتلاف من "الخارج"، في مشهد كوميدي آخر. حصل ذلك تحت لافتة "التغيير"، والتغيير المقصود هنا هو بالضبط زحزحة بنيامين نتنياهو عن كرسي رئيس الوزراء، لا برامج ولا رؤية، قاطرة جرى تركيبها على عجل لتتمكن من جر نتنياهو وحقائبه إلى الشارع.

 

هكذا بقي البيت في "بلفور" شبه فارغ لسنة كاملة، سنة كاملة استطاعت فيها الغرف والممرات التنفس، ولم يسمع في أرجائها صراخ سارة نتنياهو على المربيات والخدم والموظفين ومساعدي نتنياهو والحرس على البوابات وعمال التوصيل، الصراخ الذي تواصل 12 سنة من دون توقف.

 

المبنى بناه تاجر يوناني يهودي كان أحد أثرياء الإسكندرية يدعى إدوارد أغيون عام 1936، وسمي "بيت أغيون"، وهو مكوّن من بنايات عديدة تتوسطها باحة، واستخدم كمستشفى ميداني للعصابات اليهودية المسلحة عام 1948، قبل أن تشتريه الحكومة الإسرائيلية عام 1952 وتحوله إلى مقر لوزراء الخارجية، ثم إلى مقر لرؤساء الوزارة عام 1974. إسحق رابين هو أول رئيس وزراء أقام فيه، وفي غرفه جرت المفاوضات بين أولمرت ومحمود عباس، التي أفشلتها حملة قادها نتنياهو على أولمرت انتهت بسجن الأخير بتهمة الفساد، وها هو بعد انقضاء مدة حبسه يكتب مذكراته وبعض المقالات في الصحافة يتهم في بعضها نتنياهو وعائلته بـ"مرضى السلطة"، وبسبب ذلك سيمثل أمام القضاء من جديد بتهمة "التشهير" بحسب القضية التي رفعها نتنياهو وعائلته.

 

ليس واضحاً بعد إلى أين سيذهب بينيت بعد رحيله التراجيدي، فقد تفككت المقاعد الستة التي أوصلته إلى رئاسة الوزراء وخانه أكثر من ممثل/ة لحزبه "يمينا"، وهجر مستشاروه مكتبه بالتتابع، بحيث بدا أنه وحزبه كانا الثغرة التي تسببت بتهاوي الائتلاف إذا أضفنا غيداء ريناوي من حزب ميرتس اليساري ومازن غنايم من "الموحدة".

 

الاستطلاعات التي باشرت ظهورها حول المتغيرات في الانتخابات القادمة، في حال إجرائها، لا تشي بتغييرات مفاجئة، ومن الصعب الحكم على دقتها بحسب التجارب الأربع السابقة، إذ إن الشهور حتى تشرين الأول (أكتوبر) تشكل فترة طويلة يمكن خلالها أن تظهر حقائق جديدة، وتحالفات مختلفة ووجوه جديدة في مشهد يتسم بالفوضى والدسائس وغياب المنطق والأخلاق.

 

في الاتجاهات الرئيسية يكاد يتفق معظم المحللين في الإعلام الإسرائيلي على "وحشية" المنافسة وقسوة الحملات الانتخابية وشراسة المواجهة، إضافة إلى ظهور الحاجة إلى الاندماج بين الأحزاب ذات التوجه المشترك، في اليسار واليمين، لضمان الابتعاد عن الحافة، ولكن الانقسام بين المعسكرين الرئيسيين سيواصل حضوره ويتعمق بين "مع نتنياهو" و"ضد نتنياهو"، لا برامج حقيقية حول الاحتلال أو الميزانيات أو المساواة وهموم الأقلية العربية، كل شيء يدور حول نتنياهو، فقط نتنياهو.

 

في المشهد يمكن ملاحظة المتضررين من انهيار الائتلاف وتسلم يائير لابيد رئاسة الوزراء في المرحلة الانتقالية، مثل الفاشية شكيد وزيرة الداخلية، لا يستبعد المراقبون عودتها إلى الليكود بعد أن أشبعتهم شتماً، ومنصور عباس رئيس القائمة العربية الموحدة الذي وضع كل البيض في سلة بينيت، وجدعون ساعر المنشق عن الليكود، أو عن نتنياهو على وجه الدقة.

 

في المقابل، يبدو لابيد كمن حسّن موقعه خلال نوبة بينيت المتعثرة، وسيكون في موقع أفضل حين يخوض انتخابات من مكتب رئيس الوزراء، مع احتمال إضافة جنرال مثل أيزكونوت إلى قائمته، إضافة إلى أن ضعف اليسار، ميرتس على وجه الخصوص، سيسمح بوصول ناخبين متذمرين إلى قاعدته، بينما غانتس سيواصل البحث عن صورة رابين في خزانته.

 

اليمين الفاشي الذي بدأ يحيط ببنغفير كمعبّر عن أفكاره، سيمنحه دفعة أقوى من أربعة مقاعد على الحافة.

وراء الكواليس وأمامها سيواصل نتنياهو الحفر للحصول على فرصة تشكيل حكومة يمين بقيادته، طلب مهلة عشرة أيام قبل التصديق بالقراءة الثالثة على حل الكنيست والتوجه رسمياً للانتخابات، فرصة ستمكنه من العودة إلى "بناية بلفور التي فقدها"، في استعارة غير محسوبة من كفافيس الشاعر اليوناني السكندري "وداعاً للإسكندرية التي تفقدها".