لابيد وحل الدولتين.. أي خدعة!

لقطة الشاشة 2022-09-27 101158.png
حجم الخط

بقلم سليم يونس الزريعي

 

 

عندما قال رئيس وزراء الكيان الصهيوني يائير لابيد، مساء الخميس 22 أيلول/ سبتمبر، في الأمم المتحدة إن "إبرام "اتفاق مع الفلسطينيين يقوم على حل دولتين لشعبين هو الخيار الصائب لأمن إسرائيل واقتصادها ولمستقبل أولادنا"، رأى فيه البعض مؤشرا إيجابيا، وحاول التعامل مع هذا التصريح على أساس أنه يعكس تغييرا صهيونيا في مسألة مفاوضات الحل السياسي على قاعدة دولتين لشعبين..!
في حين أن مثل ذلك لا وجود له في الواقع، على ضوء المتغيرات التي أحدثها الكيان الصهيوني للأرض في الضفة الغربية هذا من جانب، والجانب الثاني يتعلق بوجود إجماع صهيوني على رفض مثل ذلك الحل إذا ما كان هنا من حل أصلا.
ليصبح استمرار اجترار الطرف الفلسطيني لمثل تلك اللغة السياسية التي تتحدث عن دولتين لشعبين، هو تعبير عن وهم لذهن لم يعد يدرك الوقائع على الأرض، خاصة إذا كان الحديث من قبل الجانب الفلسطيني، الذي عليه أن يُحسن قراءة المشهد في جانبيه الفلسطيني والصهيوني، ومن ثم كيف يفكر الجانب الصهيوني، وما طبيعة وحدود دعوة لابيد قبل شرائه بضاعة غير موجودة.
إن حديث لابيد عن حل الدولتين لا يعدو أن يكون خدعة، فهو يندرج كما نقدر في سياق حملة علاقات عامة موجهة لأطراف خارجية استباقا لهجوم سياسي فلسطيني كان متوقعا من قبل الرئيس محمود عباس بهدف تعرية نازية هذا الكيان الممتدة منذ ما قبل النكبة أمام المجتمع الدولي من خلال الجمعية العامة، وهو المحبط من سلوك الكيان الصهيوني، بعد أن كان قد راهن بشكل شخصي على صدقية الكيان الصهيوني، أن يفي -على الأقل- بالتزاماته في اتفاق أوسلو مع كل البؤس الذي يمثله فلسطينيا.
كما أن فقاعة لابيد ربما هي موجهة أيضا لقوى يهودية داخلية مما يسمى باليسار الصهيوني، وكذلك للجمهور العربي الفلسطيني في مناطق الـ48، لأن الكيان الصهيوني على مشارف انتخابات تشريعية مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، النتائج فيها بين معسكرات اليمين الصهيوني على ضوء استطلاعات الرأي غير مؤكدة لطرف بعينة، ,ولذلك يمكن القول إن لابيد أراد من خلال إبداء الاستعداد لحل الدولتين وبالطبع وفق الرؤية الصهيونية، قطف ثمار ذلك في صندوق الاقتراع في الصراع الانتخابي الشرس بين أطراف اليمين الصهيوني.
ومع أن الدولة التي تحدث عنها لابيد لا يمكن توصيفها وفق محددات القانون، بأنها دولة، وإنما هي عبارة عن كيان وظيفي في خدمة المشروع الصهيوني لمن يقبل بها، لكنني أعتقد أنه لا يمكن لأكثر الأطراف تهافتا في الجانب الفلسطيني من قصيري النفس أن يقبل بذلك، فكيف بالحالة الفلسطينية الناهضة سياسيا وكفاحيا من أبناء الشعب الفلسطيني، الذين تجاوزوا مقولة الحل بشروط أوسلو، سعيا لحل يقرره ميزان قوى فلسطيني يفرض على الاحتلال على الأقل الانسحاب من الضفة والقدس في سياق الهدف المرحلي.
ويجب التذكير هنا، أنها ليست المرة الأولي التي يعلن فيها أحد أطراف اليمين الصهيوني ذلك، فقد سبق لنتنياهو أن فعل ذلك أمام الجمعية العامة قبل 6 سنوات في خطاب له في الأمم المتحدة، عندما قال عن نفس الرؤية السياسية: "لم أتخل عن السلام. ما زلت ملتزمًا برؤية سلام تقوم على دولتين لشعبين "، ولكن مثل هذه الفقاعات الصهيونية أهدافها معروفة كونها للاستخدام المؤقت، بهدف تحقيق أهداف تلك القوى سواء كانت داخلية أو خارجية، وهذا بدا واضحا في وصف السفير الأمريكي لدى كيان الاحتلال توم نايدز لخطاب لابيد بأنه “شجاع” لدعمه حل الدولتين".
لكن أي دولتين يجري الحديث عنهما؟ ذلك هو السؤال الجوهري لو صدقنا بالطبع أن لابيد لديه الإرادة والأغلبية الصهيونية لمثل هذه الخدعة، وأن هناك في المقابل طرفا فلسطينيا سيقبل التعامل مع معها. خاصة وأن خدعة لابيد فيما يتعلق بالدولة المقترحة تمزقها المستوطنات وقطعان المستوطنين وتفرغها من مضمونها, ومع ذلك فإن شرط لابيد الوحيد فقط يفرغها من مضمونها ليخرجها حتى من التداول، عندما يقول " أن تكون الدولة الفلسطينية المستقبلية مسالمة. وأن تكون لدى كيان الاحتلال القدرة على الدفاع عن أمن مواطنينا بأي لحظة كانت."، بمعني أنها دولة بمواصفات صهيونية وبدون أسنان أو أظافر حتى..! ومن حق الكيان أن يستبيحها في أي وقت يشاء بذريعة حماية أمنه ومصالحه!
ما طرحه لابيد وقَبْله نتنياهو هو أقصى سقف لمفهوم حل الدولتين يمكن أن يقدمه أكثر الصهاينة "كرما"، لمن ما يزال يستجدي الحل بهذه الطريقة التي عفا عليها الزمن وتجاوزتها الأحداث حتى وفق اتفاق أوسلو سيء السمعة، كون المقترح ليس دولة وإنما كانتونا بمواصفات صهيونية، ومع ذلك هناك في الجانب الفلسطيني من استمر في الحديث عن حل الدولتين، مع أن ذلك بات أمرا غير واقعي موضوعيا، بسبب عدم وجود الأرض التي ستقام عليها تلك الدولة.
ومع أن ما هو مطروح لا يمكن لأي قائد فلسطيني أن يقبل به، فإن وزير الحرب الصهيوني غانتس الذي استنكر عرض لا بيد قال "لا يمكن خلال المستقبل القريب التوصل إلى تسوية دائمة، لكن يجب أن نسعى إلى تقليص الصراع، والحفاظ على الأمن، ومنع خطر دولة ثنائية القومية، والحفاظ على علاقة مع الفلسطينيين". وتعكس رؤية غانتس وأحزاب يمينية صهيونية عديدة بشكل واضح، أنه لا حل حتى بمواصفات مقترح لابيد أو غيره في المدى المنظور.
كما عارضت وزيرة الداخلية الإسرائيلية، أييليت شاكيد، هذه الخطوة وقالت إن لابيد ليس له شرعية عامة "ليورط "" بتصريحات من شأنها إلحاق الضرر بالبلاد، وأضافت، لابيد يمثل نفسه فقط في هذا البيان وليس الحكومة، الدولة فلسطينية تشكل خطرا على دولة إسرائيل" كما تقول.
والمفارقة أنه في الوقت الذي يوجه فيه غانتس رسائل اقتصادية إلى غزة، ويقدم رئيس وزراء الكيان الصهيوني لابيد عرضا سياسيا، يزداد تغول جيش الاحتلال وقطعان مستوطنيه ليشمل كل مناطق الضفة الفلسطينية، وهو أمر يستوجب أن تعمل كل من حركة حماس وفتح بشكل أساسي على استعادة سلاح الوحدة السياسية والكفاحية والجغرافية والديمغرافية بعد أن مزقت حركة حماس نسيج هذا الوطن الواقع تحت الاحتلال بدافع شبق السلطة، منذ عام 2007، ومن ثم مغادرة قيادة حركة فتح مربع أوسلو ووهم الحصول على دولة عبر حل سياسي في ظل هكذا ميزان قوى، لأن الكيان أكد أنه ليس هناك من شيء يعطيه، سوى كيان فلسطيني وفق مواصفاته، سواء سميتها دولة أو إمبراطورية، لكنها ستكون وفق المحددات الصهيونية، ولا أتصور أن طرفا فلسطينيا يمكن أن يقبل بذلك. لتصبح مسألة وقف التنسيق الأمني وتنفيذ قرارات المجلس المركزي الرد الواجب على سياسات وجرائم الاحتلال. ومن ثم مغادرة مربع وهْم الحصول على دولة عبر المفاوضات ضمن ميزان القوى القائم، مع كيان لا يؤمن ابتداء بالحل كونه قام على أساس فكر النفي والإحلال وفق النموذج الدموي الأمريكي والنموذجين النيوزلندي والاسترالي للإحلال.. ولكن هيهات