أوروبا: هل ستتمرّد، أم تتفكّك، أم ستغامر بكل شيء؟

D2EE8231-76C0-4BE1-866C-C276BEEBC922-e1601304572733.jpeg
حجم الخط

بقلم عبد المجيد سويلم

 

 

 

أزعم أن السؤال المحيِّر في عالم اليوم، الذي يعيش أصعب لحظاته على مدى التاريخ البشري كلّه، بقدر ما يتعلق الأمر بالرعب من السلاح النووي، وأكثر مراحله اضطراباً، بقدر ما يتعلق الأمر بالأزمات التي تعصف به على كل الصُعد والمستويات، ويمر في لحظات حاسمة ستنجم عنها حتماً متغيرات هائلة في نظامه الدُولي، وفي موازين القوى العالمية.. أزعم أن السؤال المحيِّر الذي يدور في رؤوس قادة العالم ونُخبه، وفي ذهن الشعوب كلها هو سؤال: أوروبا إلى أين؟
يكاد المنطق السياسي يحصر بما يشبه الإجماع أن الخيارات أمام أوروبا باتت محددة في الاختيار ما بين التمرّد أو التفكّك، أو المغامرة بكل شيء.
لو أرجعنا الأمر برمّته إلى منطق السياسة في معانيها الأعمق فإن كل تمرد سيؤدي إلى درجة معينة من التفكك، وكل تفكك سيؤدي إلى درجة معينة من المغامرة، وكل مغامرة ــ في مثل هذه اللحظة التاريخية الحاسمة ــ ستعني إضافة إلى درجات هائلة من الدمار الذهاب حتماً إلى التمرد والتفكك.
تحاول مراكز الدراسات الغربية، عن سابق إصرار وترصُّد وتعمُّد أن تُبعد «شبح» هذه الخيارات الثلاثة، أو بالأحرى اختيار أيّ منها، وترُاوغ هذه المراكز بكل السبل والوسائل البحثية و»الأكاديمية» لكي تُبقي مراكز القرار السياسي الأوروبية في حالة «سائلة»، أو أن تبقيها في دائرة الحيرة والتردد بين مساحات رمادية بين التمرد والمغامرة، وبين هذا التمرد وهذه المغامرة «خوفاً» من التفكك «المبكّر»، أو خوفاً من أن يؤدي «التسرُّع» بأحدها إلى تسارع وتسريع الأخرى.
قد يقول قائل: إن أوروبا ما زالت قادرة على أن تبقى «مُوحَّدة»، وأن الأمر لا يحتاج إلى أي قدرٍ من التمرد الآن ــ على الأقل ــ وأن أوروبا ليست بحاجة إلى المغامرة الكبرى بكل شيء، وهي ما زالت ترفض الانجرار لها، ولديها من «الحذر» ما يكفي لدرء أخطارها.
الحقيقة أن كل ذلك صحيح، أو ما زال صحيحاً إلى حد كبير، لكن هذا الأمر لن يبقى صحيحاً، وكل الوقائع على الأرض في اللحظة الدولية الراهنة تقول: إن «الصحيح» المؤقّت، أو الانتقالي لن يظلّ صحيحاً عند درجةٍ معينة من تطور هذه الوقائع ووصولها إلى لحظة حاسمة جديدة من تطورها وانقلاب شروطها التاريخية.
إذا استمرت الحرب في أوكرانيا وعليها لثلاثة أو أربعة أشهر أخرى، وأغلب الظن أنها ستستمر، وإذا ازدادت «فرص» الصدام المباشر ــ حتى بالأسلحة التقليدية المدمّرة ــ بين «حلف الناتو» والقوات الروسية، والأمور تقترب من هذا الصدام يوماً بعد يوم، وإذا سقط بايدن في الانتخابات النصفية ــ أقصد الحزب الديمقراطي ــ وإذا ما استمرت موجة اجتياح اليمين للانتخابات في أوروبا، وخصوصاً في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، وإذا ما انفجرت احتجاجات اجتماعية عارمة في القارة كلها، ويبدو أن الأمور تسير بوتائر عالية نحو مثل هذه الانفجارات.
وإذا استمرت الولايات المتحدة في وضع أوروبا في «بوز المدافع» الروسية فإن السيناريوهات الثلاثة ستصبح على جدول الأعمال، ولن يكون هناك سوى أن تدخل أوروبا إلى أحد منها.
الأرجح كما أرى هو سيناريو التمرّد. لماذا؟
إذا كان العنف هو قاطرة التاريخ فإن المصالح، والمصالح أولاً وعاشراً هي دوافعه وقواه المحرّكة.
كان يمكن لأوروبا أن تظل في دائرة الانسياق وراء الموقف الأميركي والبريطاني طالما أن الحرب بقيت في نطاق الاستنزاف لروسيا، وكان يمكن لأوروبا أن «تناور» في مساحة الدعم الكامل لأوكرانيا علّ ذلك يؤدي إلى «حلّ» سياسي سريع، وكان يمكن لأوروبا أن تستمر في «خطاب الروسوفوبيا»، والتهويل من ادعاءات «التهديد» الذي تمثله روسيا على «الأمن والسلم» الدُوليين. لكنها لم تعد قادرة على الاستمرار في هذا النهج بعد أن وضعت روسيا أوروبا، وبقية الغرب أمام منعطف نوعي جديد تمثل في ضمّ المناطق الأربع، واعتبارها لهذه المناطق، مناطق روسية تنطبق عليها العقيدة العسكرية الروسية، كأراضٍ واجب الدفاع عنها بكل السبل والوسائل.
هذا المنعطف في أبعاده الأمنية العسكرية، وكذلك السياسية الاستراتيجية هو الذي حول العملية العسكرية الخاصة إلى حربٍ محتملة، وإلى حربٍ مباشرة ليس بين قوات المقاطعات الأربع، وبعض القطاعات العسكرية الروسية من جهة، وبين القوات الأوكرانية المدعومة بكل قوة من «الناتو» لوجستياً وعسكرياً واستخبارياً من جهة أخرى.
ليس فقط هذا كله وإنما التحول إلى حربٍ أوروبية مع روسيا. «التمرّد» بات ضرورياً، والتمرّد يعني أن تبدأ أوروبا بدرءِ أخطارِ التفكك من قبل هنغاريا وتشيكيا على الأقل في المدى الأقرب، ومن إيطاليا وإسبانيا لاحقاً.
والتمرد يعني أن ألمانيا بدأت بالحديث الصريح عن أن أوروبا ليست ملزمة بالدفاع عن أوكرانيا بأي ثمن، دون إنهاء الالتزام بمساندتها وليس بالدفاع عنها.
والتمرّد يعني أن ألمانيا بدأت بالحديث العلني عن أن «مصالحها» باتت مهدّدة على المستوى الاقتصادي بدرجة الخطر، ولذلك فإنها لا ترى أي إمكانية لدخول أوكرانيا إلى «حلف الناتو».
والتمرّد بدأ فعلياً عندما قالت فرنسا إن روسيا هي جزء من الحيّز الأوروبي، وهي دولة عظمى وتستحيل هزيمتها.
والتمرّد سيزداد مع اشتداد أزمة الطاقة في الشتاء، ومع سقوط الأنظمة الحالية تحت وطأة التضخُّم والغلاء والكساد الذي يخيّم على الاقتصادات الأوروبية، بما فيها الاقتصاد البريطاني نفسه.
إذا أصرّت الولايات المتحدة على نهج إبقاء أوروبا في «بوز المدفع» وتدفيع أوروبا فاتورة هذه الحرب من «لحمها الحيّ»، وبقي الموقف الأميركي عند حدود «الكلفة المالية» لهذه الحرب، والتي تعوضها الولايات المتحدة من مشتريات الأسلحة، ومن الفارق الكبير لصالحها حول أسعار النفط والغاز.
إذا بقيت تسير الأمور على هذا المنوال في ظل الانعطافة السياسية والاستراتيجية الكبيرة التي كرستها روسيا بعد الاستفتاءات والضمّ والمصادقة الرسمية عليها فإن أوروبا ستفضّل وستختار التمرّد قبل أن تتفكّك وتغامر بكل شيء.
هكذا يقول منطق السياسة، مع أن بعض القادة الأوروبيين، وخصوصاً في بعض البلدان الأوروبية الشرقية فقدوا كل منطق، وفقدوا معه رشدهم وصوابهم، وتفوح منهم رائحة «النازية الجديدة».
ما زالت الأصوات التي تعي وتدرك اللعبة الأميركية في إعادة إخضاع أوروبا خافتة، لكن الشارع الأوروبي سيعزّز من إعلاء صوتها، وستتحوّل هذه الأصوات إلى رافدٍ من روافد التمرّد الأوروبي.
روسيا حتى كتابة هذه السطور أعلنت أن الأراضي التي تمّ ضمّها هي روسية، وستبقى روسية إلى الأبد، وهو الأمر الذي يعني إذا أرادت أوروبا تفادي وقوعها في براثن حرب مدمّرة كهذه ــ أن «الحلّ» بات واضحاً.
انتهت قضية شرق وجنوب أوكرانيا، وقد كتبنا عدّة مرّات أنّ أوكرانيا التي عرفناها قبل العملية العسكرية الروسية ليست هي أوكرانيا التي باتت عليه الآن.
أوكرانيا دون الشرق والجنوب، ومنزوعة السلاح النووي، وخارج «الناتو»، ومسالمة هي أوكرانيا الممكنة فقط.
أما الأحاديث عن «انتصارات» أوكرانية، وتحرير المناطق من القوات الروسية هي لعبة يقوم بها بعض هواة السياسة في كييف، ولا يليق بأوروبا أن تستمر بالرقص على أنغام هذه اللعبة.
وبالمناسبة، فقد بدأت تخرج إلى العلن اقتراحات بتنظيم «استفتاءات» تشرف عليها الأمم المتحدة لإعادة ترسيم الضمّ الروسي لها، وبهدف إيجاد مخرج «أوروبي» للتعايش مع الوقائع التي كرّستها روسيا هناك.